قرارات حكومية ناقصة والليبيون بين رافض ومؤيد

نسرين سليمان

منذ سنوات طويلة وبداية اندلاع ثورة السابع عشر من شباط/فبراير، التي وضع المواطنون الليبيون كلهم آمالا عليها كونها البداية لمرحلة جديدة للبلاد يحصلون فيها على حقوقهم المسلوبة، لم يتوقف الجدل حول حقوق الليبيات المتزوجات من أجانب، ولم تنظر الحكومات المتعاقبة في قضيتهن ولم تمنحهن أي حقوق تذكر رغم المعاناة التي يمرن بها .

فقانون الدولة الليبي والتشريعات المنظمة لسير الحياة لم تمنح هذه الشريحة أو تراعي حقوقها ومن ضمنها الحق في منح الجنسية الليبية إلى أطفالها، فرغم النقاشات المتكررة حول هذا البند إلا أنه ظل على ما هو عليه، والحجة لدى المسؤولين كانت الانتماءات والولاء، فتظل الأم ليبية بينما ابنها يظل غريبا.

قانون ظالم

كثيرون اعتبروا القانون الليبي ظالما فيما يخص معاملة المواطنة المتزوجة من أجنبي، خاصة وأنه يحتوي تفريقا وتمييزا واضحا بين الليبية المتزوجة من أجنبي والليبي المتزوج من أجنبية، وقد خلق  هذا التمييز مشاكل اجتماعية كبيرة.

حيث تنص المادة الثالثة من القانون الليبي على جواز منح الجنسية لمن وُلِد لأبٍ ليبي، وعلى العكس تماما همش منحها لمن وُلِد لأمٍ ليبية، إلا في حال كان الأب مجهول الهوية.

فيجب على الأم المتزوجة من أجنبي أن تتقدم بطلب جنسية لابنها بعد بلوغه سن الرشد، شريطة ألا يكون قد نال جنسية أبيه قبل ذلك. ولم ينصف القانون المعنفات أو المطلقات، المنفصلات عن أزواجهن، حيث وضع شرطا تعجيزيا لهن للحصول على الجنسية أن يوافق والد الطفل، والجهة المختصة في وزارة الشؤون الاجتماعية.

حكومة الوحدة الوطنية خالفت المألوف وخرجت عن مسلسل الإهمال الذي سارت عليه الحكومات السابقة المتعاقبة، فناقشت حقوق هذه الشريحة وأصدرت قرارات أثارت جدلا بين رفض وقبول، كما استنكرها البعض معتبرينها غير كافية.

اهتمام مفاجئ

فقد أصدرت حكومة الوحدة الوطنية قرارا يمنح أولاد الليبيات المتزوجات من أجانب جميع حقوق المواطنين. ونص القرار الذي حمل رقم 902 لسنة 2022 على تقرير أحكام خاصة لهم، حيث جاء في المادة الأولى يتمتع أولادهن بكافة الحقوق التي يتمتع بها المواطن الليبي، من مجانية العلاج والتعليم في الداخل والقبول في المدارس الليبية في الخارج حسب ما جاء على صفحة حكومتنا في موقع فيسبوك، الخميس الماضي.

وجاء في المادة الثانية الإعفاء من شرط الحصول على التأشيرة الليبية عند دخولهم الأراضي الليبية، واقتصار حصول أزواجهن على تأشيرة الدخول عند الوصول، والتزام السفارات والقنصليات الليبية في الخارج بتقديم الخدمة لهم أسوة بالمواطنين الليبيين.

ووفق إحصائية أعدتها جمعية «الأسرة من أجل المواطنة» بلغ عدد الليبيات المتزوجات من أجانب سنة 2012 حوالي 8000 حالة وبعد سنتين وصل 10.000 وحاليا وصل لأكثر من 15.000 ليبية متزوجة من أجنبي.

قرار تمييزي

إلا أن منظمة «هيومن رايتس ووتش» ردت على قرار الحكومة الجمعة الماضية معتبرة أن قرار حكومة الوحدة الوطنية الخاص بأبناء الليبيات المتزوجات من أجانب يعتبر مرسوما تمييزيا؛ لأنه لا يضمن حق أولاد المرأة الليبية في الحصول على الجنسية أسوة بأولاد الرجل الليبي، داعية إلى اعتباره إجراء مؤقتا حتى إدخال السلطة التشريعية تعديلات على قانون الجنسية في ليبيا.

وقالت المنظمة الحقوقية إن التمييز يتعارض مع الإعلان الدستوري لسنة 2011 والذي يضمن أن يكون الليبيون سواء أمام القانون، لا تمييز بينهم بسبب الدِّين أو المذهب أو اللغة أو الثروة أو الجنس أو النسب، كما أنه ينتهك التزامات ليبيا بالقانون الدولي بعدم التمييز ضد المرأة وأولادها.

وقالت الباحثة في المنظمة المختصة بالشؤون الليبية حنان صلاح، إن حرمان أولاد النساء الليبيات غير المواطنين من الجنسية يضعهم أمام صعوبات منها الحصول على وثائق الهوية، إضافة إلى أن حقوقهم المدنية والسياسية محدودة للغاية، فهم ممنوعون من التصويت في الانتخابات، ومن الحصول على وظائف حكومية.

وتابعت الباحثة أن قانون الجنسية رقم 24 لسنة 2010 يحكم الحصول على الجنسية الليبية، والذي يعرّف الليبي على أنه كل من ولد لأب ليبي، أو ولد في ليبيا لأم ليبية وأب مجهول الجنسية أو لا جنسية له. بخلاف ذلك، ينص القانون على أن أولاد الليبيات المتزوجات من غير الليبيين قد يمنحون الجنسية، لكن ليس تلقائيا.

حيث أوضحت الباحثة انه لا يمكن لهؤلاء الأولاد طلب الجنسية إلا بعد بلوغهم سن الأهلية، ما لم يكن والدهم متوفيا أو اعتُبر مفقودا، حسب القانون، وبعد موافقة الوالدين وجهة رسمية على الطلب. كما انه لا يمكن لأولاد الليبيات المتزوجات من الفلسطينيين الحصول على الجنسية.

كما قالت حنان صلاح إن الليبيات لا يواجهن تمييزا فيما يتعلق بأولادهن فحسب، بل أيضا عقبات في الحصول على رخصة للزواج من غير الليبيين بعد أن دعا مفتي ليبيا السلطات إلى منع النساء من الزواج من الأجانب في 2013 مشيرة إلى أن الرجال لا يواجهون أي قيود على الزواج من غير الليبيات، وتمنح الجنسية تلقائيا لأولادهم، ويمكن لزوجاتهم غير الليبيات الحصول عليها بسهولة.

كما ذكرت الباحثة تمييزا آخر يواجه النساء في ليبيا يتعلق بالقضايا الخاصة بالزواج والميراث والطلاق، فضلا عن غياب الحماية القانونية الحقيقية عنهن ضد العنف الأسري والجنسي، ودعت السلطات الليبية إلى تحمل المسؤولية لضمان حماية فعالة لحقوق الإنسان، بما في ذلك ضمان المساواة وعدم التمييز ضد الليبيات وأبنائهن.

سلسلة من الإجراءات

وفي حزيران/يونيو من العام الجاري قرّرت حكومة الوحدة الوطنية أخيراً منح الجنسية الليبية إلى 130 من أبناء هؤلاء الليبيات. ووفقاً للقرار الحكومي، فإنّ الموافقة أتت لمصلحة هذا العدد من بين 289 طلباً من القائمة التي قدّمتها مصلحة الجوازات والجنسية وشؤون الأجانب إلى الحكومة، بعد تدقيقها وفحصها، مشيرة إلى أنّ الحكومة تحفّظت على منح 159 آخرين الجنسية بسبب شكوك في أوراقهم الثبوتية.

كما أصدر الدبيبة العام الماضي أيضًا قرارًا ينص على تشكيل لجنة مركزية لدراسة طلبات الحصول على الجنسية الليبية وإثبات صحة الانتماء للأصل الليبي.

وجاء القرار رقم 322 لسنة 2021 بناء على الاجتماع الذي عقده مع وزير الداخلية وبعض الأجهزة والإدارات المختصة لمناقشة الصعوبات التي تواجه الحاصلين على الأرقام الإدارية، وكذلك أبناء الليبيات المتزوجات بأجانب.

وتشكلت اللجنة برئاسة رئيس مصلحة الجوازات والجنسية وشؤون الأجانب، وعضوية كل من رئيس مصلحة الأحوال المدنية، ومدير إدارة الشؤون القانونية بوزارة الداخلية، محمد علي العمامي، وإدارة الشؤون القانونية والشكاوى بديوان مجلس الوزراء، ورئيس مكتب الشؤون القانونية بمصلحة الأحوال المدنية، ومندوب عن جهاز المخابرات الليبية، ومندوب عن جهاز الأمن الداخلي، ورئيس مكتب الجنسية وشؤون الأجانب.

وحدّد القرار اختصاص اللجنة بمراجعة الإجراءات المحالة إليها من اللجان الفرعية للتأكد من مدى استيفائها الشروط والأوضاع القانونية، والبت في صحة نتائج أعمالها، وتكون قراراتها مسببة وبموافقة أغلبية أعضائها.

ورغم عدم ضمان هذه القرارات لكافة حقوق الليبية المتزوجة من أجنبي ورغم أنها اعتبرت قرارات تمييزية إلا أنها أثارت موجة رفض وقبول بين الناشطين السياسيين والإعلاميين.

رفض وقبول

فقد قللت الناشطة الليبية والعضو السابق بملتقى الحوار الوطني، الزهراء لنقي، من قيمة القرار، واعتبرت، في تغريدة على تويتر باللغة الإنكليزية، أن الإجراء الذي «يحتفل به البعص زوراً باعتباره طفرة، ليس أكثر من دعاية سياسية من قبل حكومة كارهة للنساء» حسب وصفها.

فيما قال الناشط الحقوقي أحمد حمزة، إن القرار يوفر الحد الأدنى من الحقوق المطلوبة ويخفف من وطأة معاناة الليبيات المتزوجات من أجانب فيما يتعلق بالحصول على الرعاية الصحية والتعليم المجاني لأبنائهن وتخفيف القيود المفروضة على التأشيرة وغيرها.

وأضاف حمزة أن قرار حكومة الدبيبة يأتي انسجاماً مع أحكام القانون الذي صدر عام 2010 بشأن منح الجنسية الليبية لبعض الفئات ومن بينها أبناء الليبيات من أزواج أجانب والمقيمين وغيرهم، ولكن وفق شروط ومعايير معينة.

وفي نهاية العام الماضي أظهر استطلاع للرأي العام، أجرته شبكة «عين ليبيا» حول قرار منح الجنسية الليبية لأبناء الليبيات المتزوجات من غير ليبيين، تبياناً في الآراء بين مؤيد ورافض لهذا القرار.

ووفقا للاستطلاع عبر موقع التدوينات القصيرة تويتر، فإن 54 في المئة يُؤيدون القرار، في حين رفض 46 في المئة قرار منح الجنسية الليبية.

واعتبر بعض المشاركين في الاستطلاع، أن هذا القرار يعتبر خطأ وتعديا على حقوق السكان الأصليين وقد تسبب بمشاكل لدول أخرى.

فيما اعتبر آخرون أن دين الإسلام لا يُفرق ولا يعترف بالليبي أو الأجنبي طالما ينطق شهادة التوحيد.
كما اعتبر البعض أن من أسباب اختلال الأمن في ليبيا هم شريحة مزدوجو الجنسية حيث أن العديد من المصائب حصلت للبلاد من وراءهم، على حد زعمهم.

_______________

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *