ألا يقال عادةً، استمر حتى النهاية، واصل حتى آخر نفس لديك، وهذا بضبط ما فعله الإنسان الليبي القديم، فكأنه قد عاهد نفسه أن يكافح في سبيل أن يكون وأن يظل وأن يتواجد ليس فقط حتى آخر نفس لديه، بل حتى آخر نفَسٍ للكوكب، فلا يخفى على أحد اليوم حجم الكارثة التي قد يصل إليها كوكبنا في حال استمرت حرارة الكوكب في الازدياد بسبب انبعاثات الغازات الدفيئة الضارة، ولكن لايبدو أن ذالك يؤثر في الإنسان الليبي القديم في انهماكه، في كفاحه الأزلي، في سبيل، لا نريد أن نقول في سبيل الحقوق، بل في سبيل الوجود.

وامتثالا لعبارة «فاستنطق الصحراء حتى تستنطقك الصحراء» العبارة التي قالها لي ذات مرة الفيلسوف والروائي الليبي إبراهيم الكوني حين قراءته لمقال «آميضران التفكير» الذي نشره بعد ذالك في صحيفة «فسانيا» الليبية.

لأستحضر الآن الإنسان الليبي حتى يحكي لنا حكايته بنفسه، في الكفاح، فحري به أن يمثل نفسه بنفسه وهذا أقل مايمكن أن نقدمه لأي إنسان، ألا نحرمه من حق التعبير عن نفسه، لذلك ها هو الإنسان الليبي يبدأ ويقول :

إني لست الآن إلا نقيضًا للإنسان المعاصر، كما أعتقد أني لست أهلًا للصحيح أو للحق، لأن نداءاتي ومطالبي غير مجدية ويتم تسخيفها وتجاهلها دومًا، من قِبل الآخر المتحكم والمتسلط، وقد أفضى بي ذلك إلى تشتت بوصلتي الذهنية، لأني لم أستوعب نظرية أن الحق لايكون حقًّا دومًا وأن الوطن لايكون وطنًا دومًا والإنسان لايكون إنسانًا دومًا، لأني لطالما اعتقدت عكس ذلك، فكما هو معروف لدي الكثيرين أن العدد واحد هو واحد دومًا، والتراب مثلًا هو تراب دومًا ولا يمكن أن يكون شيئًا آخر غير التراب، وفي حال كان اعتقادي القديم هذا هو الصحيح وهو المنطق والناتج الطبيعي، إذن لماذا حينما يأتي دوري ونصيبي في الحياة والوجود يختل هذا المنطق ويعطي نتائج مختلفة.

إن دونية وضعي الاجتماعي والاقتصادي مقارنة بباقي الشعوب المتمدينة واضحة وضوح التمييز العنصري في ليبيا وواضحة وضوح التهميش في كل جغرافيا ليبيا القديمة : كما أن وجودي وعدم وجودي واضح وضوح الاعتراف الجزئي بي إنسانًا، فكأن شعوب العالم كلها في كفة، متواجدة بثقافاتها المختلفة، في حالة تمتع وتنافس من خلال وجودها الشكلي والوجداني، عبر تواجدها الإعلامي واللغوي والفني والعلمي والسياسي والاجتماعي ومع حصصها الاقتصادية أيضًا.

– بينما أنا في كفة أخرى لست موجودًا أو كأني موجود ولكن بشكل مذلول، أو من الممكن القول إن وجودي شكلي، ففي كفتي أنا بدل الحصة الاقتصادية أُشغِلت بأوسمة التاريخ والعراقة، وبدل التواجد السياسي والاجتماعي قُدِّمت إلى خياري الازدراء العنصري والتقمص الشكلي للأغيار، وبدل التواجد الإعلامي واللغوي والفني والعلمي، حصلت على خيار الاتهام بالخيانة أوالتأمر واختيار فتات مهرجانات التراث السياحية للعب دور التعريف بالتراث الوطني.

لقد عبَّر الجيران قديمًا نيابةً عني فوصفوني بالـ«بربري» الأجنبيٌ، ثم ضمنها آخرون بعدها بالهمجي أيضًا، ثم وصفني آخرون أيضًا برجل حر «أمازيغيٌ»، ثم إن اللغة الليبية القديمة أبت إلا أن تصفني بالمواطن والساكن كناية عن «أَمَازَّاغْ» وجمعها «إِمَازَّاغَنْ» على لسان بني تارقا، إنها معركة جدلية تخاصم فيها المفسرون مع اللغة في سبيل تفسير حالتي، فهل أنا أجنبيٌ أم همجيٌ أم حُر أم أنا مواطن.

إن حالة وصفي المضطربة هذه ليست إلا قليل من انعكاس اضطرابي الكبير، اضطرابي في التواجد، واللحتماليات الكثيرة غير المنطقية لحالتي، فبقائي وعنادي هذا في سبيل الوجود ينافي أساسًا طبيعة الوجود، ينافي طبيعته التي غبرت بالأجيال التي عاصرتها.

ففي الحقيقة إنني أساسًا أشعر وكأني في حالتين متباينتين على هذا الكوكب وهما فعليًّا الوجود واللاوجود في الوقت ذاته، يبدو أن دراسة حالتي لن تكون إلا عن مسلك ميكانيكا الكم، ليس لأن فيزياء الكم تدرس الأجسام على المستوى الذري وأنا لست سوى تجمع للذرات أنا وغيري، سواءً هؤلاء المعترف بوجودهم أم من هم مثلي، بل أيضًا لما لهذا الفرع من الفيزياء من غرابة واضطراب يشبه حالتي.

فحتى معضلة أني في حالة اغتراب داخل الوطن، لا تعفيني من ألا أكون في الغربة أيضًا في حالة اغتراب.

______________

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *