عائد عميرة

ستأنف نواب البرلمان الليبي، اليوم الثلاثاء، جلستهم العامة لمنح الثقة لحكومة الوحدة الوطنية التي يترأسها عبد الحميد دبيبة، جلسة استثنائية تقام في مدينة سرت بعيدًا عن طبرق وطرابلس وغدامس، ما جعل العديد من المتابعين يتساءلون عن سر اختيار سرت عن باقي الأماكن المقترحة لاحتضان جلسة البرلمان؟

جلسة تاريخية في سرت

إذن، تحتض سرت لقاءً يحدث للمرة الأولى بعد سنوات من الحرب والفوضى في المدينة، لمنح الثقة لحكومة الوحدة الوطنية الجديدة، التي ستحل محل حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج في طرابلس بحسب خريطة الطريق التي أشرفت عليها بعثة الأمم المتحدة.

ولأول مرة منذ سنوات طويلة، تلتقي الفصائل المتعارضة في البرلمان الليبي المنقسم بمدينة سرت التي تسيطر عليها حاليًّا قوات شرق ليبيا بقيادة خليفة حفتر، بعد أن تراجعت إلى هناك نتيجة فشلها في احتلال العاصمة طرابلس في الغرب.

هذه المرة، نجح البرلمان في عقد جلسة رسمية كاملة النصاب، حضرها 132 نائبًا من إجمالي نحو 175 نائبًا ما زالوا على قيد الحياة ولم يقدموا استقالتهم، بحسب تصريح مقرر الجلسة التي تمت إذاعتها مباشرة، وترأسها رئيس المجلس عقيلة صالح ونائباه: فوزي النويري وحميد حومة.

ومن المنتظر أن يتم المصادقة على الحكومة اليوم بعد تأجيل ذلك أمس إلى حين حضور رئيسها عبد الحميد دبيبة للجلسة وتقديم برنامجه القادم، وإذا لم يصادق البرلمان على حكومة دبيبة، يؤول ملفها لملتقى الحوار السياسي وفقًا للفقرة الثالثة من المادة الرابعة من خريطة طريق المرحلة التمهيدية للحل الشامل.

وسبق أن أكد رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، يان كوبيش، في بيان نشرته البعثة الأممية، أهمية عقد جلسة مجلس النواب في مدينة سرت، وهي الجلسة الأولى منذ سنوات عدة، كما أكد أن جلسة البرلمان خطوة مهمة نحو استعادة وحدة وشرعية المؤسسات الليبية، بما يحقق وحدة ليبيا وسيادتها واستقرارها.

مناورة عقيلة صالح

قبل انعقاد الجلسة، كان الجدل قائمًا بخصوص مكان انعقادها ومن سيترأس الجلسة في ظل وجود رئيسين للبرلمان متنازعين على الشرعية، فبينما دعا حمودة سيالة، رئيس برلمان طرابلس، النواب في طبرق للالتحاق بهم وعقد اجتماعهم سواء في مدينة غدامس (600 كيلومتر جنوب غرب طرابلس) أم صبراتة (70 كيلومترًا غرب طرابلس).

في مقابل ذلك، أصر عقيلة صالح رئيس مجلس نواب طبرق، ومن معه، على أن الجلسة يجب أن تعقد في طبرق (1265 كيلومترًا شرق طرابلس) أو في مدينة بنغازي (1015 كيلومترًا شرق طرابلس) كما نص على ذلك الإعلان الدستوري، أو في مدينة سرت (450 كيلومترًا شرق طرابلس).

كما اقترح آخرون كحل وسط، أن تتم جلسة مناقشة تشكيلة الحكومة وبرنامجها ضمن الفضاء الافتراضي، عبر تقنية التواصل المرئي، أخذًا بتجربة البعثة الأممية خلال بعض مراحل الحوار السياسي.

طبقًا لما تم التوافق بشأنه في ملتقى الحوار السياسي، فإن مجلس النواب ملزم باعتماد حكومة الوحدة الوطنية خلال 21 يومًا من استلامها أسماء التشكيلة، وفي 25 من فبراير/شباط الماضي، أعلن دبيبة تسليمه تشكيلة الحكومة لمجلس النواب في الآجال الممنوحة له، أي أن آخر أجل للبرلمان لاعتمادها هو 17 من مارس/آذار الحاليّ.

أمام هذا الجدل وسعيًا منه لقطع الطريق أمام منافسيه، دعا عقيلة صالح رسميًا إلى عقد جلسة منح الثقة للحكومة بسرت في 8 من مارس/آذار الحاليّ، وإن تعذر الأمر تعقد في طبرق في نفس التاريخ، لكن رئيس لجنة 5+5 العسكرية اللواء أحمد أبوشحمة، أكد في بيان موقع بختمه، في 27 من فبراير/شباط، بأنه لا يمكنهم تأمين جلسة البرلمان داخل سرت لأسباب أمنية منها تواصل وجود المرتزقة داخل المدينة.

موقف اللجنة تغير في الغد، حيث صدر بيان ثانٍ جاء بقرار مغاير تمامًا حيث نص على التأكيد من كل أعضاء اللجنة العسكرية 5+5 أن مكان الاجتماع في سرت آمن لانعقاد جلسة منح الثقة لحكومة الوحدة الوطنية، يذكر أن البيان الثاني لم يحمل أي توقيع.

الحفاظ على موقعه على رأس البرلمان

إصرار عقيلة صالح على انعقاد جلسة البرلمان في سرت رغم أنها تحت تأمين مليشيات حفتر ومرتزقة فاغنر والجنجويد، يهدف إلى إفشال خطط خصومه في الإطاحة به، فقد كان يعلم أن أغلبية النواب يريدون الإطاحة به وانتخاب رئيس جديد للبرلمان.

في هذه الجلسة التي تُعقد بسرت، يراهن صالح على النظر في مسألة منح الثقة للحكومة فقط، مع استبعاد انتخاب رئيس جديد للبرلمان، فالنواب سيكونون تحت رحمة الميليشيات العاملة مع حفتر، حليف عقيلة صالح وأي تغيير في البرنامج يمكن أن يكلفهم حياتهم.

اتفقت جلسة لنواب البرلمان عُقدت في صبراتة في فبراير/شباط الماضي بنصاب قانوني بعد حضور أكثر من 100 نائب، على إقالة رئيس البرلمان عقيلة صالح وانتخاب رئيس جديد من إقليم فزان، كشرط أساسي قبل التنقل لمدينة سرت والبدء في إجراءات منح الثقة للحكومة الجديدة، لكن ذلك لم يحدث.

بالتوازي مع ذلك، ضغط عقيلة صالح، عبر بعض النواب الموالين له، من أجل إحباط محاولة إدراج تغيير رئاسة المجلس ضمن جدول أعمال جلسة البرلمان الحاليّة، ويقدر عدد النواب الداعمين لعقيلة 23، بينما بلغ عدد النواب المجتمعين في طرابلس 84.

ضغط صالح لانعقاد الجلسة في سرت، وحالفه الحظ في ذلك في ظل وجود رغبة أممية كبيرة في إنهاء الانقسام الحاصل والتسريع بمنح الثقة لحكومة عبد الحميد دبيبة حتى تبدأ العمل والتحضير للاستحقاق الانتخابي القادم المبرمج في ديسمبر/ كانون الأول المقبل.

هذه المساعي، أثمرت إلى حد الآن، محافظة عقيلة صالح على منصبه رئيسًا للبرلمان في ظل التنافس الشديد بينه وبين القوى السياسية في البلاد، خاصة بعد فشله في الفوز برئاسة المجلس الرئاسي أو الحكومة في الحوار السياسي الليبي الأخير.

صحيح أن عقيلة صالح ضمن بقائه على رأس البرلمان، لكن ذلك لا يعني أن مساعي الإطاحة به وتوحيد المجلس ستتوقف، فأغلبية النواب ترى صالح سببًا مباشرًا في تقسيم مجلس نواب الشعب لذلك وجب استبعاده من رئاسته وتعويضه بشخص آخر يقدر على توحيد المجلس والاستجابة لمطالب الليبيين.

يعني ذلك، أنه حتى إن تأجل انتخاب رئيس جديد للبرلمان في اجتماع سرت بسبب ضرورة اعتماد الحكومة في الآجال المحددة، فإن النواب سيعودون قريبًا إلى هذه النقطة لأجل استكمالها واستبعاد عقيلة صالح من المشهد السياسي الليبي لضمان مزيد من الانسجام بين نواب البرلمان.

***

عائد عميرة ـ محرر في نون بوست

_____________

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *