محمد الصالحين الهوني

العصيان المدني يعكس انهيار الثقة بين المجتمع والدولة ويؤكد أن الليبيين يطالبون بشرعية قائمة على الإنجاز والمحاسبة لا على التفاهمات المؤقتة.
لم يعد ما يجري في ليبيا مجرد احتجاجات غاضبة على انقطاع التيار الكهربائي، تتكرر مع كل صيف ترتفع فيه درجات الحرارة وتنخفض فيه قدرة الشبكة الكهربائية على تلبية الطلب المتزايد.
ما تشهده عدّة مدن ليبية، من دعوات إلى العصيان المدني وإغلاق للمؤسسات العامة وتعطيل للحياة الاقتصادية، يشي بأن البلاد تجاوزت مرحلة الاحتجاج على خدمة متعثرة إلى مرحلة التشكيك في شرعية منظومة سياسية كاملة عجزت، على امتداد أكثر من عقد، عن تحويل الثروة النفطية إلى استقرار، والسلطة إلى مسؤولية، والدولة إلى مؤسسة قادرة على خدمة مواطنيها.
لقد كانت الكهرباء الشرارة، لكنها لم تكن النار كلها. فالليبي الذي خرج إلى الشارع لم يخرج لأنه قضى ليلة بلا إنارة فقط، بل لأنه أمضى سنوات طويلة يسمع الوعود نفسها، ويرى الحكومات تتبدل، والمجالس تتنازع، والاتفاقات السياسية تُوقّع ثم تُنسى، بينما بقيت حياته اليومية رهينة الأعطال والانقطاعات والأزمات المتكررة.
ولهذا فإن الاحتجاجات الأخيرة تحمل رسالة أبعد من ملف الكهرباء، مفادها أن المشكلة لم تعد في إدارة قطاع بعينه، بل في إدارة الدولة نفسها.
الكهرباء في أي بلد قد تتعرض لأزمات تقنية أو ظروف طارئة، لكن استمرار الأزمة في ليبيا رغم الإمكانات المالية الضخمة يجعلها مرآة تعكس اختلالًا أعمق في منظومة الحكم. فالبلاد تمتلك أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا، وأنفقت خلال السنوات الماضية مليارات الدنانير على قطاع الكهرباء، ومع ذلك ما زال المواطن يعيش تحت رحمة برنامج طرح الأحمال، وكأن الأزمة قدر لا يمكن تجاوزه.
وهنا يصبح التساؤل مشروعًا:
- كيف يمكن لدولة تملك هذه الموارد أن تعجز عن توفير خدمة أساسية لمواطنيها؟
- وهل تكمن المشكلة في نقص الإمكانات، أم في غياب الإدارة الرشيدة، وضعف الرقابة، وتداخل المصالح، واستمرار الفساد دون مساءلة؟
إن الكهرباء لم تعد قضية فنية يناقشها المهندسون وحدهم، بل أصبحت مؤشرًا سياسيًا يقيس مدى قدرة السلطة على أداء أبسط وظائفها.
ومن هنا يمكن فهم التحول اللافت في طبيعة الاحتجاجات. ففي السابق كانت المطالب تقتصر على إصلاح محطة، أو توفير الوقود، أو تغيير مسؤول محلي. أما اليوم، فإن الشعارات باتت تطالب برحيل الحكومات ومحاسبة المسؤولين وإعادة النظر في كامل المنظومة السياسية. لقد انتقل الغضب من مستوى الخدمات إلى مستوى الشرعية.
ويكتسب الحديث عن العصيان المدني دلالة خاصة في هذا السياق. فهذا الشكل من الاحتجاج لا يهدف فقط إلى التعبير عن الرفض، بل يسعى إلى سحب الاعتراف العملي بقدرة السلطة على إدارة الشأن العام.
إنه إعلان عن أن العلاقة بين الدولة والمجتمع دخلت مرحلة جديدة، حيث لم يعد الشارع يكتفي برفع المطالب، بل يحاول فرض معادلة سياسية مختلفة.
التحول لا يقتصر على منطقة دون أخرى. فالمزاج الشعبي في الشرق والغرب والجنوب بات يتقاطع حول شعور متزايد بأن الأزمة الليبية لم تعد مرتبطة بأسماء الحكومات بقدر ما ترتبط بطبيعة النظام السياسي الانتقالي الذي طال أمده، وتحول من مرحلة مؤقتة إلى واقع دائم تستفيد منه شبكات المصالح أكثر مما يستفيد منه المواطن.
الليبيون لم يعودوا يطالبون فقط بتغيير المسؤول، بل بتغيير قواعد إدارة الدولة نفسها، وبناء سلطة تستمد شرعيتها من الإنجاز والمحاسبة، لا من التفاهمات السياسية المؤقتة أو موازين القوى العسكرية.
ولا يمكن فصل هذا المشهد عن أزمة الثقة التي تراكمت خلال السنوات الماضية. فقد أدت قضايا الفساد، وتأجيل الانتخابات، واستمرار الانقسام المؤسسي، وتراجع الخدمات، إلى تعميق الفجوة بين المواطن والدولة.
ومع كل وعد لم يتحقق، وكل موعد انتخابي أُجّل، وكل أزمة خدمية تكررت، تراجعت الثقة أكثر، حتى أصبحت السلطة بالنسبة إلى كثير من الليبيين جزءًا من المشكلة، لا أداة لحلها.
والأخطر من ذلك أن غياب المساءلة رسخ لدى الرأي العام شعورًا بأن الفشل لا يترتب عليه ثمن سياسي. فمن أخفق في إدارة ملف يعود إلى إدارة ملف آخر، ومن لم ينجز وعوده يقدم وعودًا جديدة.
ومن هنا فإن العصيان المدني لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مجرد احتجاج على أزمة آنية، بل باعتباره تعبيرًا عن انهيار تدريجي لعقد الثقة بين المجتمع والسلطة.
لكن في المقابل، ينبغي الحذر من أن يتحول الغضب الشعبي إلى فوضى جديدة تعيد إنتاج الأزمة بدلًا من حلها. فليبيا لا تحتاج إلى انهيار إضافي في مؤسساتها، بقدر ما تحتاج إلى إعادة بناء هذه المؤسسات على أسس مختلفة، تقوم على الشفافية والمحاسبة وتداول السلطة واحترام القانون.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد استبدال حكومة بأخرى، ولا نقل الأزمة من مدينة إلى أخرى، بل إطلاق مشروع وطني يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن؛ مشروع يجعل السلطة خاضعة للرقابة، والمال العام محميًا، والخدمات حقًا للمواطن لا منّة من المسؤول، والانتخابات وسيلة لتجديد الشرعية لا حدثًا مؤجلًا إلى أجل غير معلوم.
كما أن الحديث عن سلطة سياسية موحدة يجب ألا يتحول إلى شعار مجرد. فالتوحيد، في حد ذاته، ليس قيمة إذا كان سيجمع تحت سقف واحد الممارسات القديمة نفسها.
السلطة الموحدة التي تحتاجها ليبيا هي سلطة محددة الصلاحيات، واضحة المهام، خاضعة للمساءلة، ومؤقتة بما يكفي لتهيئة الطريق نحو انتخابات حرة تعيد القرار إلى الشعب.
لقد أثبتت التجربة أن الانقسام لا يصنع دولة، لكن التجربة أثبتت أيضًا أن الوحدة الشكلية، إذا قامت على تقاسم النفوذ بدلًا من بناء المؤسسات، لن تنتج إلا نسخة جديدة من الأزمة.
لهذا فإن السؤال الذي تطرحه الاحتجاجات اليوم ليس: من يدير قطاع الكهرباء؟ بل: من يدير ليبيا، وبأي شرعية، ولأي غاية؟ وهو سؤال لا تستطيع أي حكومة تجاوزه بالبيانات أو الوعود، لأن الشارع بات يبحث عن أفعال لا عن خطابات.
إن ليبيا اليوم لا تحتاج فقط إلى كهرباء مستقرة، بل إلى شرعية مستقرة أيضًا. ولا تحتاج فقط إلى حكومة موحدة، بل إلى دولة قادرة على محاسبة حكامها قبل أن يحاسبهم الشارع.
فالدول لا تستمد قوتها من عدد مؤسساتها، بل من ثقة مواطنيها فيها. وحين تصبح هذه الثقة مهددة، فإن أزمة الكهرباء تتحول إلى أزمة وجود سياسي، ويصبح إصلاح الشبكة الكهربائية أقل صعوبة من إصلاح شبكة العلاقة بين الدولة والمجتمع.
_______________
