عبدالله الكبير

صورتان متناقضتان للعدالة شاهدهما المواطن الليبي في شهر مايو 2026. ظهر في الأولي خالد الهيشري جلاد سجن معيتيقة أمام قضاة المحكمة الجنائية الدولية، تتلى عليه قائمة الاتهامات المثبتة والموثقة بالأدلة والشهادات المتطابقة للضحايا، مع ذكر أسماء أخري متورطة معه في هذه الجرائم وغيرها.

وفي الأخرى محكمة استئناف طرابلس تصدر حكمها في قضية قمع ثورة فبراير ببراءة عبدالله السنوسي ومعه عشرون متهما من قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية، من تهمة ارتكاب جرائم مصنفة دوليا كجرائم ضد الإنسانية.

الأحكام الصادرة عن المحكمة السابقة في مايو 2015 تراوحت بين الإعدام والسجن المؤبد أو أقل، وبعد كل هذه السنوات، والتأجيل المتكرر من المحكمة، صدرت أحكام البراءة الصادمة للضحايا وذويهم، و قطاعات واسعة من الشعب، كانت شاهدا على الانتهاكات المروعة التي اقترفها نظام القذافي وجلاوزته، ضد المتظاهرين السلميين في عدة مدن ليبية عام 2011.

لا أحد ينكر أن المحاكم المحلية تعمل في زمن بالغ الصعوبة، بسبب الانقسام السياسي والهشاشة الأمنية وضعف مؤسسات الدولة، والأدهى والأكثر مرارة من ذلك هو المرجعية القانونية  التي تستند لها المحكمة، والتي تعود إلى زمن النظام السابق حيث تصدر التشريعات لحماية النظام وتحصينه من أي تبعات، وإنزال أقصى العقوبات بكل من يناهضه، أو يرفض أو يتلكأ في تنفيذ أوامر رأس النظام أو أحد قيادات أجهزته القمعية. 

 على الفور انتشرت على وسائل التواصل مقاطع فيديو قديمة لعبد الله السنوسي وهو يدعو لسحق المتظاهرين، وشهادات بعض المسؤولين عن سلوكه وتوجيهاته في مواجهة المظاهرات، مشفوعة بتساؤلات مشروعة عن العدالة ودورها في إقامة المجتمعات الإنسانية.

 من النتائج المترتبة على هذا الحكم، هو تزايد قناعة المحكمة الجنائية الدولية، والمنظمات الحقوقية المحلية والدولية، في عدم قدرة القضاء المحلي على استيفاء شروط تحقيق العدالة بسبب الظروف الأمنية، وعدم مواكبة المدونة القانونية لأحكام القانون الدولي الخاص بجرائم الحرب ولجرائم ضد الإنسانية، مع الإشارة هنا إلى ورود هذه التصنيفات في التقارير الحقوقية، الصادرة عن منظمة هيومان رايتس ووتش والعفو الدولية، عن عدد كبير من الجرائم والانتهاكات التي اقترفتها كتائب القذافي الأمنية والتشكيلات المسلحة بعد ثورة فبراير.

وهذا قد يدفع أسر الضحايا وذويهم وكافة المتضررين إلى اللجوء إلى القضاء الدولي، بحثا عن الإنصاف وتحقيق العدالة، بجمع الأدلة والشهادات وفتح قنوات اتصال مع الجنائية الدولية، وسوف يتعزز هذا الدافع مع تمكن المحكمة من إلقاء القبض على خالد الهيشري ومحاكمته.

 بالضرورة ستعود بنا الذاكرة إلى السنوات الأولى للثورة، وفشل المؤتمر الوطني العام ومجلس النواب من بعده، في إصدار قانون العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية،  فهذا القانون أهمل ولم يتم التوافق عليه بين القوى السياسية الصاعدة، رغم أهميته في تصفية التركة الثقيلة للنظام السابق، عبر المكاشفة والاعتراف وإعلان الندم، من كل الذين استجابوا لأوامر القتل والتعذيب خشية من اتهامهم بالخيانة العظمى،  وتعريض حياتهم للخطر، لتعلو لغة الصفح والتسامح على لغة الانتقام، ويتم جبر الضرر الذي وقع على الضحايا.

إذا قدر لهذه المرحلة أن تنتهي بالانتخابات فإن العمل على إصدار هذا القانون ينبغي أن يكون من الأولويات، إذ لا يمكن المضي قدما قبل تحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية،  ولن يملك أحد التفويض الصحيح لفتح هذا المسار مجددا سوى هيئة منتخبة، تملك الشرعية الكاملة لتحقيق هدف عزيز ظل عرضة للتجاذبات والحسابات السياسية الضيقة.

__________________ 

مقالات مشابهة