كريمة ناجي 

حقوقيون: قراءة الواقع تكشف عن أن الكفة تميل عملياً نحو صورة من صور الوصاية القضائية المفروضة بحكم الانهيار الداخلي

تطرح قضية الهيشري سؤالاً عن السيادة القضائية الليبية في ظل مواصلة العدالة الدولية إدارة عدد من الملفات القضائية الليبية، “مما أضعف قدرة ليبيا على تأسيس نظام محاسبة وطني”، كما جاء على لسان مندوبة روسيا بمجلس الأمن الدولي خلال الشهر الجاري. 

بعد أحداث ثورة فبراير (شباط) عام 2011، تم تحويل ملف الدولة الليبية إلى محكمة الجنايات الدولية وفق القرار رقم 1970 الصادر عن مجلس الأمن الدولي. ويمنح القرار المحكمة الولاية القضائية للتحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وأعلن القضاء الليبي بصفة رسمية قبول اختصاص محكمة الجنايات الدولية للنظر في الجرائم الواقعة بليبيا.

منذ 2011، بدأت محكمة الجنايات الدولية بممارسة ولايتها القضائية وأصدرت أوامر قبض بحق قيادات النظام السابق وعلى رأسهم الرئيس الأسبق معمر القذافي، غير أنها سقطت بوفاته، إضافة إلى نجله سيف الإسلام القذافي، ورئيس الاستخبارات الأسبق عبدالله السنوسي، وغيرهم من آمري التشكيلات المسلحة على غرار قيادات ميليشيات “الكانيات” المتورطين في جرائم القتل والتعذيب والاغتصاب والمقابر الجماعية، وعلى رأسهم عبد الرحمن الكاني، وفق مذكرات قبض وصفت بـ”السرية”، وصدرت في الفترة بين عامي 2023 و2024.

وأنهت المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي جلسات “تأكيد التهم” بحق القيادي الليبي والمدير السابق لسجن  النساء بمعيتيقة خالد الهيشري، الـ21 من مايو (أيار) 2026، وتستعد الدائرة التمهيدية لإصدار قرارها خلال 60 يوماً.

وانطلقت المحكمة الجنائية الدولية في محاكمة الهيشري على خلفية ارتكابه 17 جريمة تتوزع بين جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في ليبيا، في أواخر ديسمبر (كانون الأول) عام 2025. وطرحت محاكمة الهيشري سؤالاً عن السيادة القضائية الليبية في ظل مواصلة العدالة الدولية إدارة عدد من الملفات القضائية الليبية، “مما أضعف قدرة ليبيا على تأسيس نظام محاسبة وطني”، كما جاء على لسان مندوبة روسيا بمجلس الأمن الدولي خلال الشهر الجاري. 

شريك في العدالة

تقول القانونية الليبية خولة بن شعبان إن محكمة الجنايات الدولية ترى في تدخلها بليبيا تطبيقاً للعدالة الدولية، وإن الدولة الليبية هي صاحبة السيادة باعتبار أن جهازها القضائي مستقل، بالتالي فإن وجود محكمة الجنايات الدولية يعد جزءاً مكملاً لهذا الجهاز.

وأضافت أن توجه روسيا للقول على لسان مندوبتها لدى مجلس الأمن الدولي إن محكمة الجنايات تحول دون تمكن ليبيا من “بناء نظام محاسبة وطني”، فيه إيحاء بأن محكمة الجنايات الدولية ليست صاحبة الاختصاص الأصيل للتدخل في أية قضية تتعلق بليبيا.

وبخصوص تدخل محكمة الجنايات الدولية في الملف الليبي كشريك في العدالة لا للوصاية، تقول بن شعبان إن الدولة الليبية تتمتع باستقلال تام، ولا يحق لأية دولة أخرى أن تتدخل فيها، لذلك فإن وجود محكمة الجنايات الدولية يعد جزءاً رقابياً يتعلق بتطبيق القضاء بحذافيره، بالتالي ليبيا ليست قابعة تحت الوصاية القضائية الدولية.

وتضيف أن نظر محكمة الجنايات الدولية إلى ليبيا كشريك في العدالة مرتبط بشروط، أولها وجود قضاء نزيه قادر على ملاحقة ومحاسبة مرتكبي الجرائم وتطبيق القوانين بحذافيرها، ولكن إذا حدث العكس وفشلت الدولة الليبية في تطبيق أحكام القضاء تتوجه محكمة الجنايات الدولية إلى وضع الملف الليبي تحت الوصاية القضائية باعتبار أن الدولة تفتقر إلى جهاز قضائي مستقل.

وتؤكد المتخصصة في المجال القانوني، أنه لا وصاية قضائية لأية دولة على أخرى إلا إذا كان هناك سبب مباشر يحال فيه ملف الواقعة أو القضية إلى الجهاز القضائي الدولي، الذي ينظر إلى تلك الدولة على أنها ليست محلاً للثقة القضائية، ويكون هذا بخاصة في ظل وجود انقسامات سياسية وعدم توفر جهاز قضائي مستقل. 

وتوضح أن معاملة محكمة الجنايات الدولية لليبيا كشريك في العدالة مرتبط بنزاهة واستقلال القضاء وقدرته على تطبيق الأحكام بحق المجموعات الخارجة عن القانون، إضافة إلى تمتعه بمنظومة قانونية فعالة، ووقتها لا يمكن للمحكمة الجنائية الدولية إضعاف القضاء المحلي، بل ستنظر إليه كشريك في العدالة الدولية، لأنه يطبق قوانينه داخل حدوده، ولا يمكن لأية جهة انتهاك أحكامه.

وتبرز بن شعبان أنه إذا حدث العكس ستفقد المحكمة الجنائية الدولية ثقتها في الجهاز القضائي الليبي، بالتالي سيكون تدخلها نوعاً من الوصاية غير المباشرة، مبينة أن اعتبار ليبيا دولة تحتاج إلى وصاية قضائية مرتبط بالانقسامات السياسية، ومشيرة إلى أن مندوبة روسيا بمجلس الأمن الدولي أرادت أن توضح أن محكمة الجنايات الدولية، ووفقاً للواقع الليبي المعاش، ترى أن ليبيا تحتاج إلى وصاية باعتبار أنها ما زالت تخشى عدم تطبيق بعض القوانين في ظل الانقسامات السياسية الحالية. 

وصاية بحكم الانهيار

من جانبه، يرى عضو مجلس الدولة عادل كرموس، أن الإفلات من العقاب سمة لا يمكن تجاهلها في ليبيا، فعديد الجرائم ترتكب كل يوم ولا يمكن للجهات الضبطية القبض على الفاعل، الأمر الذي يدفع إلى اللجوء للقضاء الدولي لأنه الملاذ الوحيد الذي يضمن معاقبة الجناة.

وتقول الحقوقية منى توكا إن العلاقة بين ليبيا ومحكمة الجنايات الدولية منذ صدور القرار رقم 1970 عام 2011 ظلت حائرة بين مفهومي الشراكة والوصاية، لكن قراءة الواقع تكشف عن أن الكفة تميل عملياً نحو صورة من صور الوصاية القضائية المفروضة بحكم الانهيار الداخلي.

وتتابع أنه من الناحية النظرية تأسست المحكمة على مبدأ التكامل، أي إنها لا تتدخل إلا عندما يكون القضاء الوطني غير قادر أو غير راغب في إجراء التحقيقات والمحاكمات، وبناءً على ذلك تصنف ليبيا قانونياً كدولة تعاني عجزاً مؤسسياً وأمنياً يمنعها من ممارسة العدالة بصورة كاملة، لا كشريك يمتلك قدرة فعلية على فرض سيادته القضائية.

وتستدرك الحقوقية الليبية أنه على مستوى الواقع ينظر إلى تحركات المحكمة الجنائية الدولية كوصاية “قضائية انتقائية”، فالإصرار على ملاحقة وتسليم شخصيات محددة فقط مقابل العجز عن الوصول إلى أطراف نافذة أخرى في البلاد خلق انطباعاً واسعاً بأن العدالة الدولية تتحرك أحياناً وفق توازنات سياسية دولية أكثر من تحركها وفق معيار موحد للعدالة.

وتذهب للقول إن المحكمة الجنائية لا تتعامل مع ليبيا كشريك متكافئ لأن الشراكة الحقيقية تفترض وجود دولة قادرة على تنفيذ أوامر القبض وحماية قضاتها ومؤسساتها، غير أنه وفي ظل سطوة المجموعات المسلحة والانقسام السياسي، فُرض واقع يمكن أن يسمى “الوصاية القضائية الاضطرارية” وإن ظلت هذه الوصاية محدودة التأثير على الأرض.

وتؤكد أن استمرار الانقسام السياسي في ليبيا يشكل عائقاً مباشراً أمام العدالة وحقوق الضحايا، ويتجلى ذلك في مستويات خطرة عدة وفق وصفها، أولها تعدد السلطات وتضارب الولاءات المسلحة، الأمر الذي أدى إلى خلق بيئات آمنة للإفلات من العقاب، إذ يمكن للمتهمين بانتهاكات حقوقية أن يجدوا الحماية بمجرد انتقالهم إلى منطقة نفوذ أخرى مما جعل تنفيذ أوامر القبض أو ملاحقة الجناة أمراً شديد التعقيد.

ثانيها، وفق توكا، تسييس ملف الضحايا بصورة واضحة، إذ أصبحت بعض الانتهاكات تحظى بالاهتمام لأنها تخدم خطاباً سياسياً معيناً، بينما يتم تجاهل ملفات أخرى لا تقل فداحة مثل قضايا المختفين قسرياً، والنازحين، وضحايا السجون السرية، والانتهاكات الواقعة في مناطق الهامش.

أما المستوى الثالث، فتؤكد الحقوقية الليبية أنه يتمحور حول الانقسام الذي تسبب في إضعاف المؤسسات القضائية والرقابية، سواء من خلال الانقسام الإداري أو عبر الضغوط والتهديدات التي يتعرض لها القضاة وأعضاء النيابة من قبل القوى المسلحة المسيطرة على الأرض، الأمر الذي قيد قدرة القضاء على العمل باستقلالية حقيقية، موضحة أن غياب الدولة الموحدة لا يحرم الضحايا فقط من العدالة الجنائية، بل ومن حقوقهم في جبر الضرر بما يشمل التعويضات والرعاية الصحية والنفسية وبرامج الإنصاف وإعادة الاعتبار وغيرها.

وحول مدى توفر عدالة حقيقية من دون استقرار سياسي، تقول توكا إن تحقيق عدالة شاملة ونهائية يبقى أمراً بالغ الصعوبة في ظل غياب الاستقرار السياسي والمؤسساتي، مشددة على أن من الخطأ أيضاً الاعتقاد بأن الاستقرار السياسي يمكن أن يتحقق أولاً ثم تأتي العدالة لاحقاً، لأن أية تسوية سياسية تقوم على تجاهل الانتهاكات أو دمج أمراء الحرب في السلطة من دون محاسبة حقيقية ستنتج استقراراً هشاً وقابلاً للانفجار في أية لحظة، فالعدالة ليست نتيجة للاستقرار فقط بل هي أحد شروطه الأساسية.

وتضيف أنه في ظل الواقع الليبي الحالي، تبدو العدالة الانتقالية الكاملة مؤجلة، لكن ذلك لا يعني توقف العمل الحقوقي، فالمعركة اليوم تتمثل في بناء “عدالة توثيقية” تقوم على توثيق الجرائم وحفظ الأدلة وتحديد المسؤولين ودعم المسارات القضائية الوطنية والدولية، حتى لا تضيع هذه الانتهاكات مع الزمن أو تتحول إلى جزء طبيعي من المشهد السياسي المقبل.

وتقول الحقوقية الليبية إن القضاء الليبي لا يزال يمتلك هامشاً للمناورة في بعض الملفات، لكنه يظل هامشاً هشاً ومقيداً بالواقع الأمني والسياسي، لذلك أصبحت المسارات الدولية على رغم جميع الملاحظات عليها (تؤجج الصراعات وتتدخل في السيادة القضائية) إحدى الأدوات الضرورية لحماية الحد الأدنى من إمكانية المحاسبة إلى حين استعادة الدولة الليبية مؤسساتها وسيادتها القانونية الكاملة.

تكامل الشراكة والتنسيق

يرى المتخصص في القانون الدولي أحميد الزيداني أن العلاقة بين المحكمة الجنائية الدولية والأجهزة القضائية في ليبيا مبنية على “الشراكة والتنسيق”، مشيراً إلى التعاون والتنسيق المشترك والزيارات المتكررة لفِرق مكتب المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية إلى ليبيا واللقاءات المتعددة مع مكتب النائب العام تحديداً، ولعل أبرزها زيارة المدعي العام بالمحكمة الجنائية في الـ18 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، ولقائه بالنائب العام الليبي الصديق الصور، لإيجاد “السبل الفضلى التي تفضي إلى إنصاف الضحايا وعدم إفلات الجُناة من العقاب” وفق ما صرح به مكتب النائب العام وقتها. 

ويقول إن قرار الدائرة التمهيدية الأولى في المحكمة الجنائية في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2013، القاضي بأن تحقق السلطات الليبية المُختصة في قضية رئيس الاستخبارات الليبية الأسبق عبدالله السنوسي لأنها راغبة وقادرة على الاضطلاع بدورها في التحقيق معه، أدى إلى رفض المحكمة الدولية القضية المرفوعة ضد السنوسي أمامها عملاً بمبدأ التكامل القضائي، وهو أمر يبين أن التعامل بين المحكمة ودولة ليبيا مبني على أساس الشراكة والتكامل لا على أساس الوصاية القضائية، كما يقول البعض.

وفي ما يتعلق بفرضية أن القضاء الدولي يضعف القضاء المحلي أو يدعمه، يقول الزيداني إن قرار إحالة ملف قضية السنوسي إلى القضاء الوطني وفق بمبدأ التكامل، كان فرصة حقيقية لدولة ليبيا لكف الملاحقات القضائية الدولية ضد بعض من يزعم ارتكابهم جرائم حرب والجرائم ضد الإنسانية، وذلك عبر مباشرة إجراء محاكمات ضدهم. ولكن أموراً كالانقسام السّياسي، وتغول سيطرة المليشيات على مفاصل الدول، كانت سببًا في عدم المضي في إنجاز محاكمات يدان فيها الجناة وينصف فيها الضحايا عبر القضاء الوطني، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن بعض الضحايا وذويهم يرون أن التأخر في تطبيق العدالة هو ظلم بحد ذاته، الأمر الذي يستوجب ضرورة اتخاذ خطوات عملية على أرض الواقع تطبيقاً للعدالة وإنصافاً لهم.

ويوضح أن مبدأ التكامل ينص على أن القضاء الوطني للدول هو المعني أساساً بالنظر والتحقيق في الجرائم الدولية ومقاضاة مرتكبيها، وفي حال عدم رغبة أو عجز الدول، وفقاً للمادة 17 من نظام روما الأساسي المُنشئ للمحكمة الجنائية الدولية، فإن المحكمة تباشر اختصاصاتها.

ويشير الزيداني إلى أن المُلاحقات القضائية الدولية في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية قد لا تكون من خلال المحكمة الجنائية الدولية فقط، فهناك ملاحقات من خلال مبدأ الاختصاص القضائي العالمي، الذي يخول للدول أن تباشر النظر والتحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بمعزل عن الدول التي كانت محلاً للجرائم المزعوم ارتكابها.

____________

مقالات مشابهة