سالم أ. سالم

تتوسع الجماعات المتمردة في منطقة الساحل نحو غرب إفريقيا الساحلي، كاشفةً فجوات الحوكمة ومفاقمة المخاطر على الأمن الإقليمي والاستقرار الاقتصادي.

ما كان يُعتبر يومًا أزمة محصورة في منطقة الساحل، بات يتقدم تدريجيًا نحو خليج غينيا. فالجماعات المتطرفة لم تعد تكتفي بشن هجمات عابرة للحدود، بل أصبحت تتغلغل داخل المجتمعات المحلية، وتبني شبكات إمداد، وتستغل الإخفاقات المزمنة في الحوكمة. وأصبحت دول ساحلية مثل بنين وتوغو وغانا أكثر عرضة للخطر، إذ تواجه الهشاشة البنيوية نفسها التي غذّت الصراع في الشمال. وتتزايد المخاطر: فمن دون تحرك مبكر ومنسق، قد تواجه المنطقة تمردًا أعمق وأكثر تعقيدًا. ومنع هذا السيناريو لن يعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل على معالجة أوجه القصور في الحوكمة التي تسمح لهذه الجماعات بالترسخ.

في لقاءات مع الحكومة البنينية خلال يوم رطب وغائم من يوليو 2023، بدا المسؤولون مطمئنين بشكل لافت حيال الخطر الكامن خلف حدودهم. لكن مؤشرات الإنذار المبكر كانت تتزايد يومًا بعد يوم، دالةً على أن العنف المتطرف القادم من الساحل بدأ يمتد إلى أراضيهم.

في ذلك الوقت، كانت الحوادث العنيفة في شمال بنين وتوغو نادرة نسبيًا. أما اليوم، فيصف السكان المحليون نمطًا أصبح مألوفًا في أنحاء الساحل: غارات ليلية، رجال مسلحون يظهرون على الطرقات الحرجية، وقوات أمن تكافح لحماية المجتمعات النائية قرب الحدود مع بوركينا فاسو. وقد كشفت وتيرة تلك الحوادث وحجمها أن التمرد المتطرف المستشري في الساحل يتحرك جنوبًا نحو خليج غينيا.

على مدى أكثر من عقد، كانت منطقة الساحل بؤرة العنف الإرهابي عالميًا. فما بدأ عام 2012 كتمرد في شمال مالي، تطور إلى صراع إقليمي معقد يضم متطرفين إسلاميين وميليشيات محلية وشبكات إجرامية تمتد عبر مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد وشمال نيجيريا. واليوم، تمثل المنطقة أكثر من نصف الوفيات المرتبطة بالإرهاب عالميًا، في زيادة هائلة منذ عام 2019.

لم يعد السؤال ما إذا كان الصراع سينتشر خارج الساحل، لأنه انتشر بالفعل. السؤال الحقيقي هو: هل ستعالج دول غرب إفريقيا الساحلية فجوات الحوكمة التي سمحت بتفاقم أزمة الساحل، أم ستكرر الأخطاء نفسها؟

توسع أزمة الساحل

لسنوات، كان يُنظر إلى دول غرب إفريقيا الساحلية باعتبارها محصنة نسبيًا من اضطرابات الساحل. لكن هذا الافتراض بات يصعب الدفاع عنه. فقد وسّعت الجماعات المسلحة المرتبطة بـ«جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» وتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل عملياتها تدريجيًا نحو خليج غينيا. وبحلول عام 2021، كان مقاتلو «نصرة الإسلام والمسلمين» يشنون هجمات انطلاقًا من شرق بوركينا فاسو وجنوب غرب النيجر باتجاه شمال بنين. ومنذ ذلك الحين، ارتفعت الهجمات في المناطق الحدودية لكل من بنين وتوغو بشكل حاد.

وعبر غرب إفريقيا الساحلي، ارتفعت الحوادث الإرهابية بصورة كبيرة بين عامي 2022 و2024، خصوصًا في المناطق الحدودية الشمالية حيث يظل حضور الدولة محدودًا. وكانت بنين من أكثر الدول الساحلية تضررًا، إذ ارتفعت أعداد القتلى بشكل ملحوظ في عام 2025، حتى وإن بقيت الأرقام أقل بكثير من مثيلاتها في بوركينا فاسو أو مالي.

وشهدت توغو مسارًا مشابهًا. فقد أعلنت «نصرة الإسلام والمسلمين» مسؤوليتها عن أول هجوم لها هناك عام 2022، واستمرت الهجمات منذ ذلك الحين في منطقة سافان، مستهدفة المدنيين والمواقع العسكرية على حد سواء.

ولا تمثل هذه الحوادث مجرد غارات حدودية معزولة. فكما تشير تحليلات وتقارير حديثة، تعمل «نصرة الإسلام والمسلمين» وغيرها من التنظيمات المسلحة عمدًا على اختبار الأطراف الشمالية للدول الساحلية. وتعتمد استراتيجيتها على التغلغل التدريجي بدلًا من السيطرة السريعة على الأراضي: الاندماج داخل المجتمعات، وإنشاء طرق إمداد، واستغلال ثغرات الحوكمة.

نظام إقليمي للصراع

لفهم هذا التوسع، من المفيد النظر إلى صراع الساحل ليس كسلسلة من التمردات المنفصلة، بل كنظام صراع إقليمي متطور.

فعلى مدى العقد الماضي، تحولت جماعات مثل «نصرة الإسلام والمسلمين» من تكتيكات الإرهاب التقليدية إلى نمط تمرد هجين؛ إذ باتت تسعى بصورة متزايدة إلى السيطرة على الأراضي، وتنظيم الاقتصادات المحلية، وإنشاء هياكل حكم موازية بدلًا من الاكتفاء بالهجمات السرية. ففي أجزاء من مالي وبوركينا فاسو، قامت الجماعات المسلحة بجمع الضرائب، وتسوية النزاعات، وفرض أنظمة العدالة الخاصة بها.

وقد أثبتت هذه الاستراتيجية فعاليتها في المناطق التي تكون فيها مؤسسات الدولة ضعيفة أو غائبة. فبالنسبة لمجتمعات طالما أهملتها الحكومات المركزية، قد يبدو حكم الجماعات المسلحة — رغم طابعه القسري — أكثر قابلية للتنبؤ من حكم الدولة.

وفي الوقت نفسه، ترتبط الشبكات المسلحة بعمق بالجريمة المنظمة. إذ توفر طرق التهريب التي تربط غرب إفريقيا بشمال إفريقيا والبحر المتوسط عبر الساحل مصادر تمويل وبنية لوجستية للجماعات المسلحة. وتشمل هذه الأنشطة تهريب الماشية والوقود والتعدين غير القانوني، وغيرها من عناصر اقتصاد الصراع.

كما يتطور التمرد تقنيًا. فالجماعات المسلحة التي اعتمدت سابقًا بشكل أساسي على الأسلحة الخفيفة والعبوات الناسفة، بدأت بشكل متزايد في استخدام الطائرات المسيّرة، ووسائل الاتصال المشفرة، والأدوات المالية الرقمية.

نيجيريا: منطقة التقاء

توضح التطورات الأخيرة في شمال نيجيريا كيف تتقاطع هذه الديناميات عبر الحدود. فبحسب تحليلات مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة، تصاعد العنف في المثلث الحدودي بين بنين والنيجر ونيجيريا. وتستغل الجماعات المسلحة الطرق الحرجية والمناطق المحمية التي تربط بوركينا فاسو والنيجر وبنين ونيجيريا لنقل المقاتلين والإمدادات. ويبدو أن هدفها طويل المدى يتمثل في إنشاء ممرات تربط عمق المنطقة بالساحل الأطلسي.

وقد أصبحت هذه المنطقة نقطة التقاء تتداخل فيها شبكات التطرف القادمة من الساحل مع الجماعات المسلحة النيجيرية وشبكات اللصوصية الإجرامية.

وأصبحت تداعيات ذلك أوضح في أكتوبر 2025 عندما أعلنت «نصرة الإسلام والمسلمين» مسؤوليتها عن أول هجوم لها داخل الأراضي النيجيرية قرب حدود بنين. ورغم صغر حجم الهجوم، فإنه كان ذا دلالة رمزية مهمة: فقد أشار إلى طموح الجماعة للتوسع داخل أكبر دول غرب إفريقيا.

وتواجه نيجيريا بالفعل أزمات أمنية متعددة، من التمردات المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية في حوض بحيرة تشاد إلى شبكات اللصوصية المسلحة في الشمال الغربي. ويثير التداخل المتزايد بين اللصوصية والجريمة المنظمة والتطرف الإسلامي احتمال أن تصبح نيجيريا أكثر شبهًا بحركات التمرد الهجينة التي تزعزع استقرار أجزاء من الساحل.

الساحل المعرّض للخطر

تمثل غانا مثالًا على قدرة بعض الدول الساحلية على الصمود، وفي الوقت نفسه على الطموحات الاستراتيجية للجماعات المسلحة القادمة من الساحل. فعلى الرغم من عدم تعرضها لهجمات إرهابية واسعة النطاق، استُخدم شمال غانا بشكل متزايد كمنطقة لوجستية واستشفائية للمقاتلين العاملين عبر الحدود في بوركينا فاسو.

وبحسب تقارير، يعبر المقاتلون إلى الأراضي الغانية للحصول على الإمدادات، ونقل المعدات، وتلقي العلاج الطبي قبل العودة شمالًا إلى ساحات القتال. ويعكس هذا النمط استراتيجية متعمدة: فبدلًا من شن الهجمات فورًا، تعمل جماعات مثل «نصرة الإسلام والمسلمين» على بناء شبكات وسلاسل إمداد يمكن أن تدعم لاحقًا توسعًا أعمق نحو خليج غينيا.

ويرى محللون أن الاستقرار النسبي في غانا — بفضل مؤسساتها الأقوى، وأجهزتها الأمنية الفاعلة، وتراجع حدة المظالم المحلية — حدّ حتى الآن من تغلغل الجماعات المسلحة. لكن دور البلاد كقاعدة خلفية لوجستية يؤكد الطبيعة الإقليمية للصراع.

ومع انتشار هذه الشبكات عبر الدول الساحلية، يزداد قلق صناع القرار الغربيين من أن يتمكن تمرد الساحل في نهاية المطاف من تهديد طرق التجارة الرئيسية والموانئ والبنية التحتية للطاقة على الساحل الأطلسي. وتعكس هذه المخاوف إدراكًا متزايدًا بأن دوافع التطرف في غرب إفريقيا الساحلي تشبه إلى حد كبير الديناميات البنيوية التي غذّت الصراع في الساحل.

في العديد من الدول، تظل الفرص الاقتصادية والنفوذ السياسي متركزة في المراكز الحضرية الجنوبية، بينما تعاني المناطق الحدودية الشمالية من تهميش مزمن وضعف حضور الدولة. وتوفر هذه الفجوات بيئة خصبة للتجنيد.

كما تصاعدت التوترات بين المزارعين والرعاة، خصوصًا بين جماعات الفولاني الرعوية، خلال السنوات الأخيرة. وأدت القيود المفروضة على الهجرة الموسمية والمواجهات مع قوات الأمن إلى تعميق المظالم في بعض المناطق.

وتبرز أبحاث مجموعة الأزمات الدولية كيف تستغل جماعات مثل «نصرة الإسلام والمسلمين» هذه التوترات المحلية عمدًا، عبر تقديم نفسها كحامية للمجتمعات المهمشة، مع تقويض سلطة الدولة في الوقت نفسه.

وفي بعض المناطق، أدت الاستجابات الأمنية إلى تفاقم هذه الديناميات. فقد وُجهت اتهامات لميليشيات محلية جرى حشدها لمحاربة المتطرفين باستهداف مدنيين من الفولاني، مما عزز دوائر الانتقام والمظلومية.

وقف المرحلة التالية

تُظهر تجربة الساحل أن الإرهاب يزدهر حيث تفشل الحوكمة. فالقوة العسكرية ضرورية لاحتواء الجماعات العنيفة، لكنها لا تستطيع معالجة الأسباب الجذرية لعدم الاستقرار. وعندما تُنفذ العمليات الأمنية دون مساءلة، فإنها قد تعمق المظالم ذاتها التي تستغلها الجماعات المسلحة.

ولهذا، يظل تعزيز سيادة القانون، والمساءلة القضائية، والرقابة المدنية على الأجهزة الأمنية عنصرًا محوريًا لتحقيق الاستقرار طويل الأمد. فالمجتمعات تكون أكثر استعدادًا للتعاون مع السلطات عندما تثق بأن الانتهاكات سيتم التحقيق فيها وتحقيق العدالة بشأنها.

إن انتشار العنف الإرهابي نحو خليج غينيا ليس أمرًا حتميًا. لكن منع اندلاع أزمة إقليمية أوسع يتطلب التحرك قبل أن تترسخ شبكات التمرد. وستحتاج الحكومات الساحلية إلى الاستثمار بشكل أكبر بكثير في المناطق الحدودية الشمالية، ليس فقط في القوات الأمنية، بل أيضًا في الحوكمة، وأنظمة العدالة، والفرص الاقتصادية.

وسيكون التعاون الإقليمي ضروريًا كذلك. فالشبكات المسلحة تعمل عبر الحدود، وبالتالي يجب أن تكون الاستجابات الفعالة عابرة للحدود أيضًا، من خلال تبادل المعلومات الاستخباراتية، والدوريات المشتركة، والتنسيق في إنفاذ القانون. كما ينبغي للشركاء الدوليين، بما في ذلك الأمم المتحدة، إعطاء الأولوية لتعزيز المؤسسات بدلًا من الاكتفاء بتوسيع المساعدات العسكرية. فالاستثمار في القدرات القضائية، ومكافحة الفساد، وإصلاح القطاع الأمني بشكل خاضع للمساءلة، قد يحقق أثرًا طويل الأمد أكبر بكثير.

تقف بنين وتوغو اليوم على خط المواجهة في صراع بدأ بعيدًا في الشمال. وما إذا كانتا ستصبحان المسرح التالي لتمرد متسع، أو المكان الذي تبدأ فيه المنطقة بعكس مسار الأزمة، فسيتوقف بدرجة أقل على الانتصارات العسكرية، وبدرجة أكبر على ما إذا كانت الحكومات ستعالج فجوات الحوكمة والأسباب الجذرية التي سمحت لأزمة الساحل بالنمو منذ البداية.

سالم أ. سالم (المعروف أيضًا باسم سالم الحاسي) محلل سياسي واستراتيجي وناشط حقوقي يمتلك أربعة عقود من الخبرة في شؤون الأمن والاستخبارات والجغرافيا السياسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. شغل مناصب قيادية في حركات المعارضة الليبية، ومؤسسات الدولة، والمنظمات الحقوقية الدولية، والأوساط الأكاديمية. ويُعرف بتحليلاته الدقيقة ذات الصلة بصنع السياسات حول الديناميات الإقليمية، وتسوية النزاعات، والتحديات الأمنية.

_________________

مقالات مشابهة