
أطلقت الولايات المتحدة مناوراتها العسكرية السنوية “فلينتلوك” في ليبيا للمرة الأولى؛ حيث تمثل هذه المناورات متعددة الجنسيات بالنسبة لواشنطن، فرصة للحد من النفوذ الصيني والروسي في البلد العربي.
كما تعدها خطوة هامة نحو التكامل العسكري في ليبيا التي انقسمت إلى حكومتين متناحرتين في الشرق والغرب على مدى العقد الماضي.
ويأمل الانقلابي خليفة حفتر الرجل المسيطر في شرق ليبيا وعميل وكالة المخابرات المركزية الأميركية السابق، في استغلال هذه اللحظة لترسيخ قبضته على السلطة.
وفي مقال نشرته مجلة “ريسبونسبل ستيتكرافت” الأميركية، قال الصحفي المصري، خالد محمود رمضان: إن “أمير الحرب الليبي يُحكم قبضته على السلطة، بموافقة أميركية”.
وأضاف: “مع بلوغه الـ82 من عمره، يقتصر دور حفتر على صناعة القرار من وراء الكواليس؛ حيث يُهيئ أبناءه لمواصلة إرثه وتوطيد سيطرة العائلة على ليبيا. وإذا نجح، فقد يُكرر تجربة سلفه ومنافسه، العقيد الراحل معمر القذافي الذي قاد البلاد لأكثر من 40 عاما قبل الإطاحة به وقتله عام 2011”.
مناورات فلينتلوك
وفي أبريل/نيسان 2026، نجح كبير مستشاري الرئيس دونالد ترامب لشؤون العرب والشرق الأوسط، مسعد بولس، في إقناع الليبيين بالتوصل إلى إنهاء مؤقت للتنافس بين شرق ليبيا وغربها.
وجاء ذلك من خلال اتفاق على توحيد الإنفاق بين الحكومتين المتنافستين، حكومة الوحدة الوطنية في العاصمة طرابلس برئاسة رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، وحكومة الاستقرار الموازية برئاسة أسامة حماد، والمدعومة من حفتر.
ولأول مرة، جمعت مناورات “فلينتلوك 2026″، التي ترعاها القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا (أفريكوم) وتضم نحو 1500 جندي من 30 دولة، قوات من شرق ليبيا وغربها.
وقد وضع بولس هذه المناورات (التي أجريت خلال الفترة ما بين 13 و30 أبريل 2026) في صميم العملية السياسية، واصفا إياها بأنها فرصة “لرفع مستوى كفاءة الضباط الليبيين”.
وعمليا، يمثل هذا دعما أميركيا لترسيخ دور حفتر المهيمن في السياسة الليبية، ورفع مستوى عائلته من أمراء حرب إلى شركاء أمنيين دوليين، وفق رمضان. فقد كان صدام حفتر، نجل خليفة حفتر ونائبه، جالسا بجوار نائب قائد “أفريكوم”، الفريق جون برينان، خلال المناورات.
وشكك العديد من الليبيين في جدوى هذه المبادرات؛ إذ يرونها مجرد مسكن مؤقت، ودليلا على أن الجهود الأميركية ليست حلا للأزمة، بل مجرد وسيلة لإدارتها، ورغم أن جهود توحيد ميزانية الدولة وفرت هدنة مؤقتة، إلا أنها لم تعالج الأسباب الجذرية للصراع على السلطة.
وتابع المقال: “يبدو أن إرث التاريخ لا يزال يُهيمن على نظرة واشنطن إلى ليبيا. فبعد عبارة (إلى شواطئ طرابلس) التي تتردد في نشيد مشاة البحرية الأميركية، عادت القوات الأميركية مجددا إلى خليج سرت”.
وقال رمضان: “سرت التي قصفتها إدارة ريغان عام 1986 بذريعة إسقاط نظام القذافي، تستقبل ضباطا من أفريكوم لتدشين سلالة عسكرية جديدة بقيادة أبناء حفتر”.
ولأول مرة، تظهر ليبيا بصفتها الدولة المضيفة الرسمية لهذه العمليات المشتركة، وقد وصف برينان هذه الخطوة بأنها تجسد “رؤية قادة الجانبين”.
إلا أن المفارقة، بحسب المقال، تكمن في تحويل سرت من “خط موت” جيوسياسي للنظام الليبي السابق إلى محاولة لإعادة إنتاج نموذج “الرجل القوي” الذي لطالما زعمت واشنطن أنها تسعى لتفكيكه.
عودة من المنفى
ويرى وزير الدفاع الليبي السابق، محمد البرغثي، أن المشهد يحمل في طياته تناقضات كثيرة. وفي مقابلة صحفية، قال: “رغم أننا نشعر بالسرور لرؤية الضباط الليبيين يجتمعون، إلا أننا نتألم بشدة لأن هذه الدعوة تُقام على أرضهم وتحت إدارة جهة خارجية، بذريعة توحيد المؤسسة العسكرية”.
وفي السياق نفسه، شكك البرغثي في مصداقية واشنطن، مستذكرا وعودا سابقة من وزراء الدفاع الأميركيين بتركيب أنظمة مراقبة إلكترونية على الحدود الجنوبية، وتسليم أربع طائرات ليبية محتجزة لدى الولايات المتحدة منذ انقلاب عام 1969 الذي أوصل القذافي إلى السلطة.
وأضاف بمرارة: “لقد أصبحت تلك الطائرات اليوم خردة عسكرية بعد عقود من انتهاء عمرها التشغيلي، ولم تتجاوز الوعود الأميركية مجرد كلمات لم تُنفذ على أرض الواقع”.
وبرز حفتر كواحد من أهم الفاعلين السياسيين في ليبيا منذ أن أطلق “عملية الكرامة” عام 2014؛ حيث شن هجوما عسكريا أطاح بحكومة في بنغازي، أكبر مدينة شرق ليبيا.
وبحسب المقال، تحالف حفتر مع مجلس نواب طبرق، لكن الآن، وبعد مرور 12 عاما على صعوده، وست سنوات على فشله في السيطرة على العاصمة طرابلس، امتزجت طموحات حفتر وعائلته في السلطة والثروة من خلال نموذج السيطرة غير المباشرة، وفق المقال.
ولا يقتصر نفوذ حفتر على الشؤون العسكرية فحسب، بل يعتمد أيضا على شبكة اقتصادية مرتبطة بالجيش والعائلة، مصممة لتعزيز نفوذه السياسي والعسكري. وفق المقال.
كما يستفيد من الصادرات غير الرسمية عبر شركات مرتبطة بابنه صدام، والتي صدّرت نحو 7.6 ملايين برميل من النفط، بقيمة 600 مليون دولار، خارج القنوات الرسمية بين مايو/أيار وديسمبر/كانون الأول 2024.
وفي عام 2025، بلغ متوسط الإنتاج 1.37-1.375 مليون برميل يوميا، وهو أعلى مستوى له منذ 12 عاما، مع عائدات نفطية بلغت نحو 22 مليار دولار، بزيادة قدرها 15 بالمئة عن العام السابق.
ويستخدم حفتر سيطرته للتهديد بإغلاق حقول النفط للحصول على حصة أكبر من العائدات أو تنازلات سياسية؛ إذ تعتمد قوته الاقتصادية بشكل كبير على سيطرته على حوض سرت.
طموحات عائلية
وأشارت الدراسات إلى أن قوات حفتر تُشكّل تحالفا واسعا من الجماعات المسلحة المرتبطة أيضا بمصالح اقتصادية في شرق ليبيا.
وأصبح صدام نائبا لوالده بعد أن قاد وحدات عسكرية تلعب دورا محوريا في بنية السلطة وتؤثر على الصفقات الاقتصادية المتعلقة بإعادة الإعمار.
وقال قائد عسكري رفيع المستوى في قوات حفتر: إن ترقية أبناء حفتر تُمثّل محاولة لترسيخ السلطة بين القيادات العليا والدنيا في الجيش.
وقال ضابط آخر، فضّل عدم الكشف عن اسمه: إن الوضع يبدو مستقرا داخل الجيش في الوقت الراهن، لكنه قد يتغير بسرعة إذا تضاءل نفوذ حفتر بأي شكل من الأشكال.
واتهم تقرير صادر عن لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة، صدام حفتر ، بإدارة نظام غير مسبوق من “الفساد المؤسسي” في قطاع الطاقة، وذلك باستغلال نفوذه لتوفير غطاء سياسي وأمني مكّن الشبكات الإجرامية من الإفلات من العقاب تماما.
ويشغل خالد حفتر منصب رئيس أركان الجيش الذي يضم نحو 90 ألف مقاتل، بميزانية غير رسمية تُقدّر بنحو 5 مليارات دينار (800 مليون دولار) للرواتب والعمليات، ناهيك عن قيمة الأسلحة وصفقاتها السرية، التي تتجاوز هذا المبلغ بكثير.
لكن أهم أبناء حفتر -وفق المقال- هو الابن الأكبر “الصديق” الذي يُشبه والده في المظهر والشخصية؛ حيث تجاوز دور المساعد المخلص ليصبح حافظ أسرار والده ووزير خارجيته الفعلي.
وقال رمضان: “أخبرني الصديق ذات مرة في حديث خاص بالقاهرة أنه يحلم برئاسة الحكومة، لكنه ينزعج من الادعاءات بأن عائلته ستصبح مثل عائلة القذافي”.
ونقل الصحفي المصري ما قاله له الصديق بشكل شخصي في 2024، حيث قال: “نحن عائلة مختلفة، وتجربتنا لا تمثل بالضرورة تجارب الآخرين”.
وكان الصديق هو الوحيد الذي رافق حفتر عندما دخل المستشفى العسكري في باريس لتلقي العلاج إثر أزمة صحية ألمّت به خلال زيارة للقاهرة قبل سنوات.
وقال رمضان: إن “المسار الذي تسلكه عائلة حفتر اليوم يتجاوز الطموح العسكري التقليدي؛ فهو محاولة لإضفاء الشرعية على نفوذ العائلة عبر مؤسسات موازية تضمن الاستدامة المالية والأمنية”.
ومع تأجيل الانتخابات الرئاسية إلى أجل غير مسمى، لم يعد بإمكان حفتر المطالبة بعرش البلاد، لكنه أصبح الآن، بالضرورة، صانع ملوك جدد يحملون اسمه.
وتساءل رمضان: “هل ستكرر واشنطن خطأها الكلاسيكي بدعم (الرجل القوي) للحفاظ على استقرار مؤقت، لتستيقظ لاحقا على دكتاتورية عائلية أكثر تعقيدا وفسادا؟”
وختم بالتأكيد على أن “الحديث عن (توحيد المؤسسات) يُنذر بخطر التحول إلى خصخصة شاملة للجيش والنفط لصالح عائلة واحدة، بمباركة أميركية”.
_____________________