ميدل إيست آي

تتراجع روسيا، فيما ترتفع أسعار الطاقة بشكل حاد. وقد منح هذان التطوران دفعة جديدة للمساعي الأمريكية لتوحيد ليبيا دون موافقة شعبية.
تعمل الولايات المتحدة على صياغة اتفاق لتوحيد ليبيا الغنية بالنفط حول العائلتين الأقوى في البلاد، وذلك في وقت تؤدي فيه الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران إلى خنق تدفقات الطاقة العالمية، بحسب ما أفاد به مسؤولون غربيون حاليون وسابقون، ومصادر عربية مطلعة على الملف، ومحللون لموقع “ميدل إيست آي”.
ويهدف اتفاق تقاسم السلطة إلى توحيد ليبيا عبر عائلة الدبيبة في غرب البلاد وعائلة حفتر في شرقها، مع استبدال قادة العائلتين الحاليين بجيل جديد.
ورغم أن هذا المسعى جارٍ منذ فترة، إلا أنه اكتسب زخماً جديداً مع ارتفاع أسعار النفط بسبب الحرب على إيران، ما أعاد شركات الطاقة الأمريكية إلى ليبيا التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في إفريقيا.
وتعيش العائلتان الحاكمتان في ليبيا حالة من الانتعاش المالي مع ارتفاع خام برنت. فقد أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط أن إيراداتها بلغت 2.9 مليار دولار في أبريل، أي ثلاثة أضعاف ما كانت عليه في بداية العام. كما زار وزير النفط الليبي واشنطن الأسبوع الماضي.
وقال ريكاردو فابياني، مدير شمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، لـ”MEE”: “هذا الأمر قيد الإعداد منذ عدة أشهر. الولايات المتحدة تحاول تهيئة الأرضية لهذه الصفقة الكبرى بين العائلتين.”
وأضاف: “هناك أموال طائلة يمكن جنيها من عمليات الاستكشاف النفطي الجديدة. الأمريكيون لديهم مصلحة ضخمة في كل ذلك، خاصة الآن مع الحرب على إيران.”
استبدال رئيس الوزراء الليبي
يقود مسعد بولس، مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إفريقيا، هذا التوجه.
ورغم أن الاتفاق الدبلوماسي جرى الحديث عنه علناً ويواجه معارضة من كثير من الليبيين، إلا أنه مرّ دون اهتمام واسع في الغرب بسبب تركيز الأنظار على الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران.
وتريد إدارة ترامب أن يتولى إبراهيم الدبيبة، وهو أحد رجال النفوذ الليبيين، رئاسة الحكومة بدلاً من ابن عمه رئيس الوزراء الحالي عبد الحميد الدبيبة، الذي يعاني من مشكلات صحية.
وبحسب مصدر عربي مطلع ومسؤول غربي سابق رفيع، فإن بولس دفع بهذا التغيير بالتنسيق مع تركيا خلال منتدى أنطاليا في أبريل الماضي، والذي حضره وفد ليبي.
وكان إبراهيم الدبيبة قد أقام علاقة وثيقة بشكل خاص مع بولس، حيث ناقشا بشكل خاص إمكانية الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الليبية المجمدة، وهو ما كشفه “ميدل إيست آي” سابقاً وأكدته صحيفة “نيويورك تايمز”.
وعلى الجانب الآخر، من المتوقع أن يُعيَّن صدام حفتر، نجل المشير خليفة حفتر البالغ من العمر 35 عاماً والذي يسيطر على شرق ليبيا، رئيساً للدولة.
وقد عقد إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر اجتماعات في قصر الإليزيه بباريس في وقت سابق من هذا العام ضمن جهود بولس.
ويشغل صدام منصب نائب قائد “الجيش الوطني الليبي”، وقد عمل على تنويع علاقات عائلة حفتر مع خصوم سابقين مثل تركيا، كما بات يُنظر إليه باعتباره المرشح المفضل لدى الولايات المتحدة لخلافة والده البالغ من العمر 82 عاماً.
كما التقى صدام حفتر نائب مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية خلال زيارة إلى واشنطن العام الماضي، بحسب المصدر العربي. وليست هذه أول محاولة لتوحيد ليبيا.
“تقاسم الغنائم”
انزلقت ليبيا إلى حرب أهلية عام 2011 بعد انتفاضة مدعومة من حلف الناتو أطاحت بمعمر القذافي. وعلى مدى أكثر من عقد، انقسمت البلاد إلى سلطتين: حكومة معترف بها دولياً في طرابلس، وأخرى في الشرق يقودها خليفة حفتر.
وخاض الطرفان حرباً دامية عام 2019 حاول خلالها حفتر السيطرة على طرابلس. وتحولت المعركة إلى حرب بالوكالة، حيث دعمت تركيا الحكومة المعترف بها أممياً، بينما دعمت روسيا ومصر والإمارات حفتر.
وفي عام 2021، جرى تعيين عبد الحميد الدبيبة رئيساً للوزراء ضمن مسار أممي كان يهدف إلى قيادة البلاد نحو انتخابات ديمقراطية.
وقال مسؤول غربي سابق رفيع لـ”MEE”: “كل القوى الخارجية، بما فيها الولايات المتحدة، تخلت عملياً عن فكرة الانتخابات الديمقراطية في ليبيا.”
وأضاف: “الخيار المفضل لديهم الآن هو العمل مع العائلات المترسخة وتقاسم الغنائم بين الطرفين الأكثر فساداً.”
وتابع: “لكن حفتر شخصية مرفوضة في غرب ليبيا، والدبيبة لا يسيطر بالكامل على الغرب. هذا يتجاوز الشعب الليبي تماماً وقد يرتد بنتائج عكسية.”
وقد أقامت عائلة الدبيبة تحالفات مع ميليشيات نافذة في غرب ليبيا، لكنها تواجه معارضة من جماعات أخرى. كما أن أي تقاسم للسلطة مع صدام حفتر لن يحظى بقبول في مصراتة، المدينة الساحلية التي تضم طبقة نشطة من العائلات التجارية.
وكان مفتي ليبيا الصادق الغرياني قد أعلن معارضته لأي اتفاق لتقاسم السلطة بين الطرفين أواخر الشهر الماضي.
وفي حين تفرض عائلة حفتر سيطرة أقوى على شرق ليبيا، إلا أن العائلة نفسها تعاني انقسامات داخلية. فصدام يعزز سيطرته على المؤسسة العسكرية، لكنه في صراع مع إخوته، خاصة بلقاسم حفتر الذي يدير صندوق التنمية وإعادة الإعمار في بنغازي.
وقال جلال حرشاوي، الباحث المتخصص في الشأن الليبي لدى المعهد الملكي للخدمات المتحدة، لـ”MEE”: “لا عائلة الدبيبة ولا عائلة حفتر تشكلان وحدة متماسكة حالياً.”
وأضاف: “وهذا قد يجعل التغيير ممكناً بالفعل. الوضع القائم غير قابل للاستمرار، وإذا أُعلن عن حكومة جديدة فسيكون ذلك بداية لمسار جديد.”
هل تستطيع ليبيا تعويض نفط الخليج؟
قال مسؤول أمريكي سابق مطلع على الملف الليبي لـ”MEE” إن إدارة ترامب تواصل عملياً سياسة إدارة بايدن القائمة على التقريب التدريجي بين العائلات الحاكمة في ليبيا، إلا أن استعدادها للحديث عن الإفراج عن مليارات الدولارات المجمدة وعقد صفقات تجارية قد سهّل التحركات الدبلوماسية.
وأضاف: “هذا ليس مجرد تحرك يقوده بولس، بل هو مبادرة تشمل مؤسسات الدولة الأمريكية بأكملها، بهدف جعل ليبيا متاحة لشركات النفط الأمريكية وخلق فرص لليبيين.”
وتابع: “دعونا نواجه الحقيقة: مسار الانتخابات الذي تقوده الأمم المتحدة لم ينجح.”
وقد تحققت بعض النجاحات التكتيكية. ففي أوائل أبريل أعلن مصرف ليبيا المركزي عن أول ميزانية موحدة للبلاد منذ أكثر من عقد.
وفي خطوة فاجأت بعض المراقبين، تدربت قوات من شرق وغرب ليبيا معاً في سرت ضمن مناورات “فلينتلوك” العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة الشهر الماضي.
وكانت شركات الطاقة الأمريكية تستكشف الفرص في ليبيا حتى قبل الحرب على إيران.
فقد حصلت شركة “شيفرون” على ترخيص استكشاف في حوض سرت في فبراير، بينما وقعت “إكسون موبيل” مذكرة تفاهم مع المؤسسة الوطنية للنفط للعودة إلى ليبيا في أغسطس.
وأعلنت المؤسسة الوطنية للنفط أن صادرات البلاد بلغت 1.2 مليون برميل يومياً في أبريل، وهو أعلى مستوى منذ عشر سنوات. لكن بعض المحللين يشككون في دقة هذه الأرقام، ويرون أن الحرب على إيران لم تغيّر فعلياً بيئة الاستثمار.
فمعظم البنية التحتية النفطية الليبية يعود عمرها إلى نصف قرن، كما أن البيانات في البلاد غامضة بسبب افتقار الحكومة للشفافية.
وقال جيسون باك، مؤسس “ليبيا-أناليسيس” ومؤلف كتاب “ليبيا والفوضى العالمية المستدامة”، إن الولايات المتحدة وحلفاءها سيصابون بخيبة أمل إذا اعتقدوا أن ليبيا قادرة على تعويض النفط المفقود من الخليج.
وأضاف: “عجز الليبيين عن إنتاج مزيد من النفط مرتبط بعدم كفاءتهم الداخلية، وليس بحجم الدعم الأمريكي أو الخارجي.”
وتابع: “فكرة أن ليبيا تستطيع توفير كميات مؤثرة عالمياً من النفط خلال فترة قصيرة بسبب حرب إيران هي فكرة مضحكة.”
وأشار إلى أن الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022 أثار نقاشاً مشابهاً حول إمكانية أن تحل ليبيا محل روسيا كمصدر للغاز إلى أوروبا.
وقال: “في بداية الحرب الأوكرانية، كان الناس يقولون إن ليبيا ستكون الجزائر الجديدة، لكن الليبيين فشلوا في ذلك، وسيفشلون مجدداً.”
دعم تركي
لكن خبراء يرون أن فكرة تقارب العائلتين الليبيتين لتقاسم عوائد الطاقة الحالية تحت الرعاية الأمريكية تبدو أكثر قابلية للتحقق، خصوصاً أن القوى الخارجية التي حولت ليبيا سابقاً إلى ساحة حرب بالوكالة باتت تنوع علاقاتها.
فصدام حفتر يغازل تركيا، وبدأ يتلقى بعض الأسلحة من باكستان برعاية سعودية، بحسب ما كشفه “ميدل إيست آي” سابقاً.
وفي الوقت نفسه، عززت مصر، التي كانت تعارض حكومة طرابلس سابقاً، علاقاتها بالحكومة، كما تعمل على تحسين علاقاتها مع أنقرة، خصمها القديم في ليبيا.
وقال جيسون باك: “الأتراك والمصريون مستعدون لتعاون الطرفين لأن السياق السياسي اليوم مختلف تماماً عن السابق. هذا لا علاقة له بترامب.”
أما حرشاوي فقال إن الولايات المتحدة تحظى بدعم تركيا، التي تعد من أقوى الأطراف الفاعلة ميدانياً في ليبيا.
وأضاف: “هناك مؤشرات على أن تركيا ربما راضية عن أي إعلان كبير يجري التحضير له. وهذا مهم.”
وتابع: “أعتقد أن السعوديين سيدعمون ما توافق عليه تركيا، بسبب السودان.”
وقد ترى الولايات المتحدة أيضاً فرصة لإبعاد عائلة حفتر عن روسيا، التي نشرت مرتزقة في شرق ليبيا وسعت سابقاً للحصول على موطئ قدم بحري هناك.
كما أن الحكومة المدعومة من روسيا في مالي المجاورة تواجه خطر الانهيار بسبب هجمات جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة.
وختم حرشاوي بالقول: “ليست الأموال وحدها ما يدفع الدولة العميقة الأمريكية نحو ليبيا. روسيا تتراجع في مالي، وليس من المستبعد أن يحدث لها شيء مشابه في ليبيا أيضاً.”
__________________