جليل حرشاوي و فريدريك ويهري

صفقات انتهت إلى الفشل
تعاني سياسة إدارة ترامب تجاه ليبيا من تناقضات واضحة. فإصرارها على التوفيق بين العائلتين الحاكمتين كشرط مسبق لأي هيكل حكم موحد يوحي بأن عشيرتي الدبيبة وحفتر يُتوقع أن تبقيا في السلطة في المستقبل المنظور.
لكن بولس أوضح في تصريحاته أمام الأمم المتحدة في 18 فبراير أن هدف واشنطن هو “تهيئة الظروف لحكومة منتخبة ديمقراطيًا تكون قادرة على قيادة ليبيا”، وهو هدف يتطلب تنحي بعض القادة الحاليين على الأقل.
وقد ظهر تركيز واشنطن على صفقات النخب واستخدام الاقتصاد كأداة سياسية منذ الصيف الماضي، حين زار بولس كلًا من طرابلس وبنغازي. وقدمت له العائلة الحاكمة في كل مدينة وعودًا بفرص تجارية ضخمة، تشمل عقودًا بعشرات مليارات الدولارات لشركات أمريكية. وفي سبتمبر 2025 ويناير 2026، عقد بولس اجتماعات إضافية مع قادة ليبيين في روما وباريس.
ولم يتوسط بولس بين قوى سياسية واسعة التمثيل، بل بين ممثلين عن العائلتين: إبراهيم الدبيبة، ابن شقيق رئيس الوزراء النافذ، وصدام حفتر، أحد أبناء المشير ووريثه المفترض.
ورُوّج لهذا الإطار بوصفه مبادرة سلام مميزة لإدارة ترامب، لكنه في الواقع لم يكن سوى نسخة مكررة من الترتيب المدعوم من بايدن والوساطة الإماراتية عام 2022.
وتقول إدارة ترامب إن دبلوماسيتها ستساعد الشركات الأمريكية على الفوز بفرص تجارية، لكنها تتجاهل الهشاشة الكامنة في بلد ترتبط فيه السلطة السياسية بعدد محدود من الزعماء النافذين.
صحيح أن شركات النفط الأمريكية الكبرى توسع عملياتها في ليبيا. فبعد سنوات من الغياب، تستعد إكسون موبيل لمسح أربعة مربعات بحرية. وفازت شيفرون بامتياز بري في حوض سرت ووقعت اتفاقًا منفصلًا للمسح البحري.
كما جددت كونوكو فيليبس ووسعت ترخيصها القائم في حقل الواحة حتى عام 2050، وتزيد شركة إس إل بي (شلومبرجير سابقًا) من دورها في خدمات الآبار. لكن هذه الشركات، بعد التزامها بالاستثمار، لن تجد إطارًا مؤسسيًا تعتمد عليه عندما يثبت عدم موثوقية المسؤولين الذين رحبوا بها.
ويمتد الخلل في مقاربة البيت الأبيض أيضًا إلى تعامله مع المؤسسة العسكرية الليبية المنقسمة. فقد عملت واشنطن بجد لإقناع قادة عسكريين من شرق ليبيا وغربها بالمشاركة معًا في مناورات “فلينتلوك 26” العسكرية في أبريل. لكن ضمان هذه المشاركة المشتركة جاء بثمن.
فلسنوات، امتنعت واشنطن عن ممارسة ضغط جاد على أي من الطرفين خشية انسحاب أحدهما من المناورات، فلم توجه انتقادات علنية للممارسات الفاسدة، ولم تفرض عقوبات على شخصيات من المستوى المتوسط.
وربما كان هذا الثمن مقبولًا لو أسفرت المناورات عن توحيد عسكري حقيقي، لكن لا توجد حتى الآن أي عملية جدية لدمج القوات الليبية المتنافسة.
العودة إلى المستقبل
إن تحقيق الأهداف التجارية لإدارة ترامب في ليبيا يتطلب مستوى من الاستقرار المؤسسي لا يمكن لسياسة الصفقات الشخصية توفيره. ولذلك تحتاج واشنطن إلى توسيع نطاق انخراطها مع ليبيا ومع الدول الأجنبية المؤثرة فيها، وعلى رأسها تركيا.
وينبغي للولايات المتحدة أن تعطي الأولوية لقدرة ليبيا المالية على الاستمرار، عبر المساعدة في إعادة بناء استقلال ركيزتيها الاقتصاديتين الأساسيتين: المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط.
كما يجب أن تدعم المساءلة والشفافية من خلال تدقيقات مستقلة وعلنية، وآليات رقابة خارجية على الإيرادات، وأن تعارض التدخلات السياسية التي أنتجت أزمة المؤسسة الوطنية للنفط عام 2022 وأزمة المصرف المركزي عام 2024.
وأي جهد أمريكي ذي معنى لتحقيق الاستقرار في ليبيا سيتطلب تنسيقًا شاملًا مع تركيا، وعندما يتعذر التوفيق بين المواقف، استعدادًا لممارسة الضغط على أنقرة.
ويجب على واشنطن أن تتجاوز الاكتفاء بطلب موافقات تركية متقطعة، وأن تلتزم بانخراط تفصيلي ومستدام يستخدم التنسيق الدبلوماسي والضغط الحازم لكبح النشاط الأحادي لأنقرة.
وعلى نطاق أوسع، يجب على الولايات المتحدة أيضًا دعم ضرورة إجراء انتخابات وطنية تُنتج سلطة تنفيذية موحدة.
وهنا توجد منصة جاهزة يمكن دعمها: خريطة الطريق الجديدة للأمم المتحدة بشأن ليبيا، التي تدعو إلى مشاورات واسعة مع الليبيين لمعالجة المظالم الاقتصادية والسياسية، وتوحيد الإدارات الموازية في البلاد، والأهم إجراء الانتخابات.
كما تسعى الخطة الأممية إلى إشراك المجالس البلدية ومنظمات المجتمع المدني المحلية والأحزاب السياسية في المؤسسات التكنوقراطية للدولة، وهو نهج يستحق دعمًا أكبر من الولايات المتحدة.
ولم يساعد في هذا السياق قيام ترامب بتفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، التي كانت تدعم سابقًا المؤسسات المحلية والوطنية في ليبيا.
لكن إذا أرادت واشنطن حقًا فتح ليبيا أمام أعمال أمريكية مستقرة، فعليها أن تدرك أن ظروف الاستثمار طويل الأمد لن تكون مواتية ما دام المسؤولون الأمريكيون يركزون فقط على مجاملة طموحات المتنافسين المتصارعين على السلطة في البلاد.
***
جليل حرشاوي ـ متخصص في الشأن الليبي لدى المعهد الملكي للخدمات المتحدة.
فريدريك ويهري ـ زميل أول في برنامج الشرق الأوسط بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.
____________________
