أسامة علي
في ظل الأحداث الأخيرة للحرب على إيران وتأثيراتها المباشرة على سوق النفط العالمي، شهدت إمدادات النفط التي تمر عبر مضيق هرمز، الذي يشهد مرور نحو 20% من النفط البحري العالمي بما يقارب 20 مليون برميل يوميًا، تراجعًا حادًا وصل إلى نحو 60% مقارنة بالمستويات الطبيعية قبل النزاع.
وأدى هذا الانخفاض الكبير إلى نقص يقدر بحوالي 8 إلى 10 ملايين برميل يوميًا من النفط الخام في الإمدادات العالمية، ما دفع الأسعار إلى الارتفاع فوق 100 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى منذ عام 2022، وفق بيانات الوكالة الدولية للطاقة وتقارير الأسواق المالية.
وأجبر هذا الواقع العديد من الدول المستهلكة الكبرى، لاسيما في آسيا وأوروبا، على إعادة تقييم مخزونات الطاقة ومحاولة البحث عن بدائل سريعة لتعويض التراجع في الصادرات النفطية الخليجية، إلا أن مراقبين يرون أن البدائل المتاحة محدودة ولا تستطيع سد الفجوة بالكامل، مما يجعل أي مصدر قريب جغرافيًا، يمكن أن يعول عليه ويكون قابلا للتوسعة، يصير لاعبا ذا أهمية استراتيجية فورية.
في هذا السياق، يبرز النفط الليبي محل اهتمام المراقبين، إذ تمتلك ليبيا احتياطيات نفطية مثبتة تقدر بنحو 48 مليار برميل، وهي الأكبر في أفريقيا وضمن أعلى عشرة احتياطيات نفطية على مستوى العالم.
وقد بلغ الإنتاج الليبي في 2025 نحو 1.3 مليون برميل يوميًا، وهو أعلى مستوى للإنتاج منذ العام 2013. في ضوء هذه يطرح السؤال بشكل واضح: هل يمكن لليبيا أن تلعب دورًا حقيقيًا بوصفها أحد البدائل لتعويض النقص في السوق الدولية، أم أن إمكاناتها الفعلية تظل محدودة في ظل القيود التشغيلية والتحديات المحلية؟
ومرت ليبيا بالعديد من المحطات في تاريخها النفطي، إذ بلغ إنتاجها عام 1969، أي بعد ثماني سنوات من اكتشافه، 3.3 ملايين برميل يوميا، وهو أعلى مستوى في تاريخ النفط الليبي، قبل أن يبدأ انخفاض الإنتاج تدريجيًا، بسبب سياسات الاستثمار في عهد نظام القذافي التي حدّت من مشاركة الشركات الأجنبية في الاستكشاف والتطوير، لا سيما مع دخول البلاد في فترة حصار دولي منذ الثمانينيات وحتى عام 2003، حيث انخفض الإنتاج الى 1.8 مليون برميل.
وبعد اندلاع الثورة في 2011 انخفض الإنتاج بشكل حاد بسبب توقف العمل في المنشآت النفطية على خلفية صراع الأطراف الليبية على السيطرة على مواقع النفط، فتوقف الإنتاج عديد المرات ضمن استخدام النفط ورقةً للضغط بيد أطراف ضد الأخرى.
وبحلول العام 2022 تم اتفاق الأطراف الليبية على ضبط عمليات الإنتاج والتصدير عبر المؤسسة الوطنية للنفط، التي وضعت الكثير من الخطط لرفع معدلات الإنتاج حتى وصل الى 1.3 مليون برميل يوميا العام الماضي، مع عودة شركات دولية عدة للعمل في ليبيا بشكل تدريجي، لا سيما من الدول الأكثر استيرادا للنفط، وعلى رأسها إيطاليا التي تعد أكبر مستوردي النفط الليبي تاريخيًا، وغالبًا ما تستحوذ على حصة الأسد من صادرات النفط الليبي إلى أوروبا، وكذلك ألمانيا واسبانيا وبريطانيا التي تستورد حصصا من النفط الليبي أيضا.
بدائل واقعية للتعويض
ويرى الخبير النفطي الليبي محيي الدين الغويل أن السؤال عن إمكانية أن تكون ليبيا من البدائل الواقعية لتعويض النقص في السوق الدولية “ليس جديدًا، لكنه صار اليوم أكثر إلحاحًا مع الحرب على إيران واضطرابات الإمدادات النفطية الخليجية“.
ويعتبر الغويل، في حديثه لـ“العربي الجديد“، أن الاحتياطات الليبية المؤكدة، والتي تُقدَّر بنحو 48.4 مليار برميل، والتي تجعل ليبيا ضمن أعلى عشر دول في العالم من حيث الاحتياطيات، قد تكون السبب في هذا السؤال، لكنه يستدرك بالقول “هذه المعطيات نقاط قوة لا جدال فيها عندما يتعلق الأمر بإمكانات الإمداد الخام على المدى الطويل.
لكن يستدرك قائلان إن “التداعيات الإقليمية والدولية للحرب تتطلب بدائل سريعة، فحتى مع ارتفاع الإنتاج الليبي الحالي إلى 1.3 مليون برميل يوميًا، فإن ذلك لا يعطي ليبيا القدرة على تغطية الفجوة، التي لا تقدر إلا بربع الكمية التي تنتجها حقول الدول الخليجية بتراجعها الحالي“.
وفيما يؤكد الغويل أن الإنتاج الليبي الحالي ما زال أقل بكثير من فجوة العرض في الأسواق العالمية الناتجة من تراجع الإمدادات عبر مضيق هرمز بعد الحرب على إيران، إلا أنه يرى أن “الفجوة الفعلية في المعروض العالمي تجعل من إنتاج ليبيا الحالي جزءًا من الحل، خاصة مع الطموح الليبي لزيادته إلى 1.6 مليون برميل يوميًا عبر الخطوات الأخيرة لجذب الشركات الدولية للاستثمار في الحقول النفطية في البلاد“.
ويلفت الغويل إلى أن التحسن الأخير في الإنتاج الليبي جاء فقط عبر تحسين الظروف التشغيلية في حقول محددة، هي الشرارة والسرير جنوب البلاد، بينما لا تزال حقول مثل أمال وزلطن والواحة والظهرة وغيرها تعمل بطاقتها المنخفضة السابقة بسبب سوء البنية التحتية.
ووفقا للغويل، فإن أي زيادة في الإنتاج تتطلب تجاوز تحديات داخلية أساسية، أولها توحيد السلطة، إذ تعتبر النفط ورقة صراع رئيسية بين حكومة الوحدة الوطنية التي تسيطر في طرابلس المؤسسة الوطنية للنفط المعترف بها دوليا، وبين سلطة اللواء المتقاعد خليفة حفتر التي تسيطر على حقول الإنتاج وموانئ التصدير.
النفط الليبي وحالة الانقسام
تعرقل حالة الانقسام، وفق قراءة الغويل، “التخطيط والتشغيل المتسق للقطاع النفطي، مما يحد من القدرة على التحرّك السريع في الأسواق العالمية، وهو ما نشهده فعليًا، إذ إن كلتا السلطتين لم تبادر بأي إجراءات لاستغلال اختلالات السوق الدولية الحالية، والمستفيد الدولي لن يثق في الإنتاج الليبي الذي لا يزال في خانة الصراع، بمعنى أنه ليس ثابتًا من حيث كونه قوة سوقية“.
وحول الانفتاح الأخير، الذي شهدته ليبيا في الأشهر الأخيرة، إذ نظمت حكومة الوحدة الوطنية نهاية يناير/ كانون الثاني الماضي، بمشاركة 19 شركة فرنسية و17 شركة أميركية و16 شركة بريطانية وست شركات إيطالية وأربع شركات تركية، قبل أن تطلق أول جولة ترخيص للمشاريع النفطية منحت خلالها تراخيص للتنقيب إلى 5 شركات دولية، من بينها شيفرون وإيني وريبسول.
يصف الغويل هذا الانفتاح بــ “الجيد، فهو خطوة مهمة في إعادة دمج ليبيا في خريطة الاستثمار النفطية الدولية، لكنه غير مرتبط مباشرة بالأحداث الإقليمية الحالية“.
ويلفت الغويل إلى أن الاستثمارات الدولية التي بدأت في ليبيا “طويلة الأجل“، وعلى سبيل المثال ففي قمة الطاقة تم توقيع اتفاق تطوير طويل المدى لمدة 25 عامًا ضمن شركة الواحة للنفط بالشراكة مع توتال وكونوكو فيليبس، لرفع الإنتاج وبالتالي فهي لن تفيد في الادماج السريع لليبيا في الخريطة الدولية ليستفيد السوق الدولية من وجودها في الظروف الحالية“.
ويعتقد الغويل أن الاهتمام الأوروبي بليبيا أكبر، نظرًا للقرب الجغرافي والمعرفة التاريخية بالنفط الليبي، مضيفًا: “صحيح أن الشركات الأميركية لها حضور عريق في ليبيا، لكن الاستفادة من النفط الليبي تبقى أكثر ارتباطًا بإيطاليا وأوروبا عمومًا“.
ويختتم الغويل حديثه بأن قدرة ليبيا على التحول إلى وجهة استراتيجية للدول المستوردة تعتمد على استقرار سياسي ومؤسسي، وعقود طويلة الأجل مع الشركات الكبرى، وضمانات أمنية فعالة.
ويشير إلى أن قراءة السوق الدولية تشير إلى أن ليبيا ليست مؤثرة بشكل كبير في الأسواق العالمية؛ فهي عضو في أوبك، لكنها معفاة من أنظمة تخفيض الإنتاج، أي أن مستويات إنتاجها الحالية لا تصل إلى حد يمكن معه التأثير على السوق العالمية، مهما ارتفعت، إلا في حال تجاوز القيود الداخلية والاستثمارية.
____________
