كريمة ناجي

خبراء يرون أن الوعكة الصحية للدبيبة ستُستِغل لتوسيع نفوذ الميليشيات.
ظهر رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة وهو جالس وغير قادر على الوقوف لاستقبال مجموعة وفود جاءت للاطمئنان إلى صحته بعد الوعكة الصحية التي ألمّت به، وعكة حالت دون ممارسته مهامه كرئيس للحكومة لأكثر من أسبوع، وهي مدة كانت كافية لاستدعاء مجموعة من السيناريوهات المحتملة لغياب رؤوس السلطة في ليبيا المنقسمة على نفسها سياسياً وأمنياً منذ عام 2011.
التطمينات الرسمية حول حالته الصحية بعد خضوعه لتدخل جراحي في القلب لم تمنع بروز مخاوف جدية من حدوث فراغ سياسي في الحكم بالغرب الليبي، بخاصة أن الدبيبة لا يترأس الحكومة فقط، بل يجمع بين حقيبتي الدفاع والخارجية، وهي مخاوف عمقها غياب نص دستوري يضمن تواصل الحكم في أي ظرف طارئ قد يستجد على البلد، باعتبار أن ليبيا لم تعرض الدستور المعد منذ عام 2017 على الاستفتاء الشعبي.
وثيقة دستورية
في السياق قال عضو الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور عمر النعاس، “في حال عدم قدرة الدبيبة على مزاولة عمله توكل المهمة إلى نائبه“، منوهاً بأن هناك نائبين اثنين لرئيس مجلس الوزراء يمكن لأحدهما تسيير مهام الحكومة.
أما بخصوص الفراغ السياسي فأكد النعاس “أن ليبيا لن تنزلق نحو أي فراغ سياسي لأن المرحلة الانتقالية هي أصلاً حال من حالات الفراغ السياسي الناتجة من عدم وجود وثيقة دستورية حاكمة تنشأ بموجبها السلطات العامة في الدولة وتنظمها.
وأشار النعاس إلى أن “وجود دستور حقيقي عامل أساس لتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الدولة، فالدستور هو أساس الدولة وضمان سيادتها الوطنية، في حالات كهذه“، واعتبر عضو الهيئة العليا لصياغة مشروع الدستور أن مشروع الدستور الذي أقرته الهيئة التأسيسية المنتخبة من الشعب جاهز للاستفتاء، وأن “الدستور سيكون حلاً مناسباً في حال قيام المؤسسات القائمة باعتماده والعمل به كدستور نافذ لمدة خمس سنوات، وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية وفق أحكام الدستور، وإنهاء المرحلة الانتقالية نهائياً مع إمكان إجراء الاستفتاء مستقبلاً“.
فوضى أمنية
ونص “اتفاق الصخيرات” السياسي لعام 2015 على “أنه في حال خلو منصب رئيس الحكومة تتحول الأخيرة إلى تصريف أعمال“، وهو أمر وصفه عضو مجلس الدولة الاستشاري عادل كرموس بـ“الكارثي” بالنسبة إلى المنطقة الغربية بسبب عدم الاستقرار الأمني وعدم سيطرة الحكومة على بعض المجموعات المسلحة، محذراً من أن إمكان حصول الفوضى في العاصمة الليبية طرابلس أمراً لا يمكن تجاهله ولا يمكن للحل القانوني أن يحول دون هذه الفوضى.
وأضاف “أن الاتفاق السياسي الليبي لم يهمل هذه المسألة من الناحية التشريعية، لكن يبقى التخوف قائماً من مدى إمكان تنفيذ هذا الحل ورضا قوى الأمر الواقع به“.
من ناحيته، لفت عميد كلية العلوم السياسية بجامعة “نالوت” إلياس الباروني إلى أن “الحال الصحية لرئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، وعدم قدرته على إدارة مهامه اليومية منذ أكثر من أسبوع، تعكس هشاشة البناء التنفيذي في ليبيا، حيث لا ترتبط استمرارية السلطة بآليات مؤسسية واضحة بقدر ارتباطها بحضور الشخص وقدرته على إدارة التوازنات، وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى احتمال الغياب باعتباره حدثاً إدارياً عابراً، بل متغيراً قد يعيد ترتيب المشهد السياسي والأمني برمته“.
عامل محفز
وتابع الباروني أن “الواقع الليبي يظهر أن السلطة التنفيذية لا تُدار وفق تسلسل إداري تقليدي، بل عبر شبكة معقدة من العلاقات بين الحكومة والفاعلين الأمنيين، والدوائر الاقتصادية، وعليه، فإن أي خلل في رأس هذه الشبكة سيخلق فراغاً عملياً، حتى وإن استمرت الهياكل الشكلية في العمل“.
ولفت إلى أنه “في حال غياب قيادة تنفيذية قادرة على اتخاذ القرار وضبط الإيقاع، يتحول الفراغ إلى فرصة لإعادة توزيع النفوذ داخل العاصمة ومحيطها“، مبيناً أن “الفاعلين المسلحين في الداخل لا يتحركون بدافع الفوضى بقدر ما يتحركون بمنطق براغماتي واضح، لحماية المكاسب، وتوسيع مناطق التأثير، وضمان تدفق الموارد“.
وشدد على أن هذا النوع من الفراغ لا يؤدي بالضرورة إلى صدام فوري، “بل إلى إعادة تفاوض غير معلنة بين المجموعات المسلحة حول من يتحكم في المؤسسات الحيوية، ومن يمتلك حق التحدث باسم الاستقرار، وإذا ضعفت قيادة الحكومة ستصبح مجرد إطار إداري تتحرك داخله قوى الأمر الواقع، لا مركز قرار فعلي“.
مبرزاً أن الأخطر في هذا السياق هو أن المجتمع المحلي قد يجد نفسه مضطراً إلى التكيف مع هذه الترتيبات الجديدة، باعتبارها أقل كلفة من الصدام، ما يكرس واقعاً سياسياً لا يقوم على المؤسسات، بل على التوازن الأمني الموقت.
وفي ما يخص البعد الخارجي رأى الباروني “أن المجتمع الدولي سيتجه نحو إدارة الفراغ بدل حل الأزمة، إذ لا ينظر إلى الفراغ السياسي في ليبيا بوصفه انهياراً بقدر ما ينظر إليه كحال قابلة للإدارة، لأن القوى الدولية تتعامل مع المشهد الليبي بمرونة عالية، فتعيد ترتيب علاقاتها بسرعة مع الفاعلين القادرين على ضمان حد أدنى من الاستقرار أو حماية مصالح محددة“.
وتابع أيضاً أن الغياب المحتمل لرئيس الحكومة سيشكل عاملاً “يعزز المقاربات البراغماتية الدولية، حيث يفضل التعامل مع مراكز قوة متعددة بدل الرهان على سلطة مركزية ضعيفة، وبهذا يتحول الفراغ من مشكلة إلى أداة ضغط وإعادة ضبط للمشهد، من دون الدخول في مسار سياسي شامل“، منبهاً من أن هذه المقاربة تنتج وضعاً رمادياً لا انهياراً كاملاً ولا استقراراً حقيقياً، بل حال “إدارة أزمة مستمرة” تبقي البلاد في حال تعليق سياسي طويل الأمد.
واستدرك أنه في ظل هذا المشهد ستتراجع المصلحة العامة تدريجاً من دون قرارات معلنة أو صدامات واضحة، “فالسياسات العامة تستبدل بتفاهمات ظرفية، والإصلاحات تؤجل لمصلحة إدارة اليوم بيومه، بينما يختزل مفهوم الدولة في قدرتها على منع الانفجار، لا في قدرتها على التخطيط والبناء“.
وقال إن هذا التآكل الصامت أخطر من الفوضى المفتوحة، “لأنه يعيد تشكيل وعي المجتمع السياسي على قبول الحد الأدنى، ويضعف أي ضغط حقيقي باتجاه مسار وطني جامع“، وختم بأن غياب الدبيبة عن المشهد “لا يعني سقوط الحكومة بقدر ما يعني اختلال ميزان الإدارة السياسية، وهو فراغ لا يملأ بالنصوص أو القرارات، بل بالفاعلين القادرين على التحرك السريع وفرض واقع عملي“، سائلاً أنه “في ظل غياب مسار مؤسسي واضح، من سيخلف رئيس الحكومة، بل من سيدير التوازنات على الأرض ولأي غاية؟“.
وضع رمادي
من جهته اعتبر المتخصص في مجال القانون في جامعة “طرابلس” النائب الثاني السابق لرئيس المؤتمر الوطني العام، صالح المخزوم “أنه حتى في ظل وجود عبدالحميد الدبيبة على رأس حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس.
وتمارس حكومة الدبيبة عملها في ظل انقسام سياسي حاد، مما جعلها حكومة أمر واقع توازي سلطات أمر واقع أخرى (سلطة المشير خليفة حفتر) تسيطر على الشرق والجنوب، إذ لم يتراجع نفوذ التشكيلات المسلحة، ولم يتوقف التدخل الخارجي السلبي، بسبب هذا الانقسام السياسي الحاد.
وعليه، فإن أي غياب أو تعثر صحي لرئيس الحكومة لن يخلق أزمة جديدة، بل يفتح الباب أمام انفلات كامل لما هو منفلت أصلاً“.
وأكد أنه في مثل هذه الأوضاع الرمادية، “يبرز خطر قانوني يتمثل في إقدام بعض الوزراء أو المتنفذين على توقيع اتفاقات أو إبرام تعاقدات باسم الدولة، يصعب لاحقاً التنصل من آثارها، لتمرير التزامات مشوبة بالفساد أو بسوء التقدير، تحت غطاء الصفة الرسمية واستمرارية الدولة“.
وتكمن الإشكالية، حسب رأي المخزوم، “في أن الطعن في هذه التصرفات لاحقاً لا يكون يسيراً، إذ غالباً ما تصطدم محاولات الإلغاء أو الإبطال بمبدأ الشخصية القانونية للدولة الذي يعني استقرار المعاملات، مما يحمل الدولة الليبية أعباء مالية وقانونية قد تمتد سنوات، ويدفع ثمنها الشعب، لا من أبرم تلك التصرفات“.
منبهاً من أن الخطورة الحقيقية في هذا الفراغ “تتمثل في توسع نهب المال العام والإنفاق خارج الأطر القانونية، واتساع دائرة تمرد بعض مراكز النفوذ داخل الدولة,
ولعل تجربة شركة أركنو مثال صارخ على ذلك، إذ أدت موافقة حكومة الدبيبة، على بيع النفط، من قبل سلطات المنطقة الشرقية، عبر مسارات موازية للمؤسسة الوطنية للنفط، إلى تعميق الأزمة المالية والاقتصادية، واستمرار تدهور قيمة الدينار الليبي، وتحميل المواطن كلفة قرارات غير خاضعة لأي رقابة مؤسسية، وغير مبنية على قواعد دستورية“.
موضحاً أن أخطر ما يهدد الدولة في فترات المرض أو الغياب ليس الغياب ذاته، “بل غياب القواعد الواضحة لتسيير السلطة، وغياب الرقابة، وترك المجال مفتوحاً لتصرفات فردية تقيد الدولة باسمها، بينما تُدار الدولة فعلياً بلا رأس، وهي مفارقة تختصر جانباً من المأزق الدستوري الليبي“.
_____________
