صابر بن عامر

تتشابك مصالح دول إقليمية مثل مصر والإمارات في حرب السودان، على الرغم من تلاقيها واتفاقها في ملفات أخرى، مثل ليبيا، الأمر الذي يثير تساؤلات عن كيفية إدارتها لتضارب مصالحها في بلد، وتلاقيها في بلد آخر.

صراع المصالح الإقليمية في البلدين السودان وليبيا لطالما أثار ضجة إعلامية مستمرة، متعلقة بأدوار مصر والإمارات، ففي حين تتحدث التقارير الإعلامية عن اتفاقهما في دعم السلطة في الشرق الليبي التي يقودها خليفة حفتر، فإنهما لا تدعمان الطرف ذاته في الحرب في السودان بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

في ليبيا، أكدت تقارير عربية غربية تلقي خليفة حفتر في الشرق الليبي دعماً مصرياً وإماراتياً متكرراً.

في السودان، فإن التقارير تحدثت عن دعم الجيش المصري للجيش السوداني الذي يقوده عبد الفتاح البرهان خلال الحرب، كما أن الجيش السوداني وجّه اتهاماً مباشراً للإمارات بدعم قوات الدعم السريع التي يقودها محمد دقلو حميدتي، بالتمويل والسلاح، الأمر الذي نفته أبو ظبي.

الإمارات

بالنسبة للإمارات، فإنها تتعامل مع خليفة حفتر في ليبيا، كقائد عام للقوات المسلحة الليبية التي تخوض حرباً ضد الإرهاب، وأن ذلك يُعدّ قضية مشتركة بينهما، وفق ما أكدته بيانات سابقة على الوكالة الإماراتية الرسمية للأنباء وام“.

في حين أن الحكومة المعترف بها دولياً في الغرب الليبي، التي يقودها رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة، ترفض الاعتراف بحفتر بأنه مشير أو قائد للجيش.

أما في السودان، فإن الإمارات متهمة من الجيش السوداني بدعم قوات الدعم السريع التي يقودها حميدتيوتمويلها وتسليحها، وأعلنت الخرطوم على إثر ذلك قطع العلاقات رسمياً معها، وقدمت شكاوى ضدها في مجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية.

مصر

بالنسبة لمصر، فإنها تتعامل مع البرهان رئيس مجلس السيادة في السودان، على أنه قائد للجيش ورئيس السلطة الانتقالية الشرعية هناك، مؤكدة دعمها لمؤسسات الدولة السودانية وعلى رأسها الجيش.

أما في ليبيا، فإن مصر تنظر إليها من منظور أمن قومي كما أكدت مراراً، فهي لديها حدود طويلة مشتركة، ولديها علاقات مع طرفي الصراع في ليبيا، رغم أنها اتُهمت مراراً من حكومات ليبية سابقة بالانحياز إلى خليفة حفتر في الشرق الليبي، ودعمه.

وتتسارع خيوط الأزمة في السودان وليبيا لتكشف عن واحدة من أكثر المعادلات الإقليمية تعقيداً في شمال إفريقيا، كما وصفتها المصادر في هذا التقرير.

فما يجري في الخرطوم لا ينفصل عن تحركات القوى المتصارعة في طرابلس وبنغازي، ولا عن التنافس الخفي بين القاهرة وأبوظبي على إعادة رسم خريطة النفوذ جنوب الصحراء الليبية.

إذ تتحول الصحراء الليبية والحدود الممتدة مع السودان إلى ساحة تنافسٍ إقليمي، في حين وصفت المصادر خليفة حفتر، بأنه بات في قلب معادلةٍ تتجاوز حدود النفوذ المحلي إلى صراعٍ أوسع على موازين القوة في شمال إفريقيا والساحل.

حفتر ومصر والإمارات: “حليف مزدوج في لعبة التناقضات

تتحدث التقارير العربية والغربية منذ عام 2014، عن تشكيل خليفة حفتر في ليبيا، نقطة تلاقي المصالح بين القاهرة وأبوظبي، لا سيما بعد أن كشفت الحرب السودانية عن تباينٍ واضح بين الحليفين التقليديين

وسط هذا التناقض، يحاول حفتر الموازنة بين الطرفين للحفاظ على الدعم السياسي والعسكري والمالي من كليهما، دون أن يخسر أيّاً منهما، بحسب المصادر التي تحدثت في هذا التقرير.

يقول الباحث في الشأن الليبي جلال حرشاوي، لـعربي بوست، إن مصر كانت أول داعم أجنبي رئيسي لحفتر في مايو 2014، لكن في أكتوبر/تشرين الأول من العام ذاته قررت الإمارات تقديم دعمٍ كامل له ولقواته“.

وأكد أنه منذ تلك اللحظة، أصبحت أبوظبي الراعي الأجنبي الأهم الذي لا غنى عنه بالنسبة لحفتر، متقدمة على روسيا وفرنسا ومصر“.

وأوضح حرشاوي أن دعم الإمارات لحفتر تجاوز الدعم العسكري، ليشمل التمويل والإدارة الإعلامية والمالية عبر ثلاث ركائز:

  • قدرتها المالية الكبيرة.
  • شبكة النفوذ التي تديرها في العواصم الغربية لحماية صورتها.
  • سيطرة مصارف دبي على القنوات المالية الخاصة بعائلة حفتر.

وكشف نقلاً عن مصادر دبلوماسية مصرية، أنه في يونيو/حزيران 2025، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حفتر وأبنائه في العلمين، وطلب منهم التوقف عن دعم قوات الدعم السريع، لكنهم رفضوا، ما سبّب توتراً مكتوماً بين القاهرة وبنغازي“.

وأضاف حرشاوي أن روسيا تلعب دوراً محدوداً في السودان رغم دعمها للبرهان، بينما تستخدم الإمارات مرتزقة روس في ليبيا مقابل تمويل مباشر لخدمات لوجستية، وفق قوله.

وسبق أن نشرت مجلة فورين بوليسيتقريراً للبنتاغون الأمريكي، يؤكد فيه أن الإمارات تمول المرتزقة الروس في ليبيا.

الكاتب والمحلل السياسي الليبي، أحمد التهامي، رأى في حديثه لـعربي بوست، أن حفتر يمتلك خبرة طويلة في السياسة العربية، ويسعى إلى تأكيد أنه لا ينحاز لأي دولة بعينها، وهو يوازن بين مطالب الحلفاء الإقليميين، وبين ما يخدم مصلحة جيشه، الذي يعتبره العماد الأساسي لاستعادة الدولة“.

وأشار التهامي إلى أن تضارب الموقفين المصري والإماراتي حول السودان لم يؤثر على العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، إذا لم يتأثر التعاون الاقتصادي بين القاهرة وأبوظبي بهذا الخلاف“.

واعتبر أنه من المستبعد أن ينعكس سلباً على الملفات الخارجية. فمصر تدرك حاجة الإمارات للحفاظ على مصالحها في السودان، وأبوظبي تفهم أهمية الدور المصري في استقرار ليبيا“.

وختم التهامي بالقول إن حفتر نجح في البقاء على مسافة واحدة من جميع الأطراف الإقليمية والدولية“.

من جانبها، أوضحت كلوديا غازيني، كبيرة المحللين في مجموعة الأزمات الدولية  لـعربي بوست، أن العلاقات الثنائية في النظامين الدولي والإقليمي الجديد تتجه نحو علاقات المعاملاتلا التحالفات الأيديولوجية، وهو ما يسمح للدول بأن تحافظ على علاقات جيدة مع أطراف متناقضة في صراع واحد، من دون أن تدفع أي كلفة سياسية“.

وقالت غازيني التي تقدم مشورات للمنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والبنك الدولي: “في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نرى أطرافاً ثالثة تمتلك علاقات ممتازة مع طرفي صراع لا يمسّها مباشرة. وفي الحالة الليبية، فإن علاقة حفتر بالإمارات من جهة وبمصر من جهة أخرى لم تكلّفه أي تداعيات داخلية أو إقليمية. اللعبة هنا تقوم بالكامل على المصالح والمعاملات“.

وأوضحت أن العلاقات بين مصر والإمارات، وكذلك الرياض وأبوظبي، لم تتأثر بالخلاف حول السودان، إذ تواصل الإمارات نشاطها الاقتصادي في مصر رغم وقوفهما على طرفين مختلفين في بعض النزاعات، مؤكدة أن المال يلعب الدور الحاسم“.

أما بشأن التقارير التي تتحدث عن تورط قوات حفتر في تسهيل نقل الأسلحة والوقود نحو السودان، أكدت غازيني أن هذه التحركات لم تُحدث أي أثر ملموس داخل ليبيا، ولم تُغيّر تعامل القوى الدولية مع حفتر“.

ولفتت غازيني إلى أن التحالفات الإقليمية في ليبيا سريعة التغيّر، وتعتمد على المصالح الآنية، موضحة أن تركيا مثال بارز على ذلك، فقبل خمس سنوات كانت تدعم بقوة طرابلس ضد حفتر، واليوم لديها علاقات ممتازة مع الطرفين، وربما أصبحت أحد أهم الشركاء للقيادة العامة“.

وبحسب غازيني، فإن الفاعلين الدوليين لا يراهنون على تحالفات استراتيجية بعيدة المدى مع القادة الليبيين، سواء الدبيبة أو حفتر، لأن الطرفين لديهما نقاط ضعف بنيوية، والدول الأجنبية تتعامل معهم بوصفهم من في السلطة اليوم، وليس تحالفاً طويل المدى“.

وختمت بالقول: “السؤال حول مدى استراتيجية الوجود الروسي والإماراتي في ليبيا يبقى سؤالاً مفتوحاً، لأن المشهد قائم على تحالفات متغيرة، لا ثوابت فيها“.

من جانبه، قال المحلل السياسي صلاح البكوش، لـعربي بوست، إنه يرى في دور خليفة حفتر في حرب السودان أنه يتجاوز الإطار الليبي، إذ يعكس صراعاً إقليمياً أوسع بين الإمارات ومصر على النفوذ في المنطقة“.

وأوضح أن دعم حفتر لقوات الدعم السريع المدعومة من أبوظبي، وضعه في مواجهة غير مباشرة مع القاهرة التي تساند الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان“.

وأضاف البكوش أن مصر ترى في هذا الانخراط تهديداً مباشراً لاستقرار الدولة السودانية ومصالحها على حدودها الجنوبية، بينما تنظر الإمارات إلى حفتر كأداة نفوذ إقليمي تتيح لها توسيع حضورها في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل“.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة تتابع هذا التداخل بقلق متزايد، خشية أن يؤدي إلى تعزيز الوجود الروسي في ليبيا والسودان معاً“.

ورأى أن انخراط حفتر في هذه الشبكة المعقدة من التحالفات الإقليمية أسهم في تكريس سلطته الموازية في شرق ليبيا، على حساب أي مسار سياسي موحد أو إمكانية لبناء دولة ليبية مستقرة في المدى القريب، وفق تقديره.

_____________

مقالات مشابهة