أحمد الخميسي

يضع المسار السياسي الليبي نحو تشكيل سلطة تنفيذية موحّدة وإجراء انتخابات خلال 24 شهراً، المالية العامة وثروات البلاد خاصة من قطاع الطاقة الحيوي، أمام اختبار حاسم، فهل يؤدي توحيد السلطة إلى توحيد القرار المالي، أم يستمر تعدّد مراكز الإنفاق والالتزامات الحكومية؟
وكانت لجنة الحوار الليبية المصغرة “4+4” قد أعلنت بمقر بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالعاصمة طرابلس، الأحد الماضي، التوقيع على مسودة الاتفاق النهائي لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية خلال مدة لا تتجاوز عامَين. وقرأ الاتفاق كل من رئيس وفد حكومة الوحدة الوطنية في لجنة “4+4” وليد اللافي، ورئيس وفد القيادة العامة لقوات شرق ليبيا في اللجنة الشيباني أبو همود، بحضور المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه.
يأتي ذلك التطور في وقت تحاول فيه ليبيا الخروج من سنوات الانقسام المالي والمؤسّسي، بينما يعتمد اقتصادها على النفط مصدراً رئيسياً للإيرادات والنقد الأجنبي، وتواجه المالية العامة ضغوطاً متزايدة بفعل ارتفاع الإنفاق الجاري وتنامي الالتزامات الحكومية.
وقد يؤدي تشكيل حكومة واحدة إلى إنهاء الازدواجية التنفيذية، لكنه لا يعني بالضرورة إخضاع جميع الأموال العامة فوراً لقرار مالي موحد، فهناك مؤسسات وصناديق تتمتع بدرجات من الاستقلال المالي أو الإداري وتدير مشاريع ومخصصات كبيرة، ما يجعل توحيد السلطة السياسية مختلفاً عن توحيد إدارة المالية العامة، حسب مراقبين.
صعوبة الالتزام بسقف الإنفاق
عن هذه التطورات يقول مدير مركز أويا للدراسات الاقتصادية (مستقل)، أحمد أبو لسين، إن الوضع الاقتصادي والمعيشي في ليبيا “مرشح لمزيد من التدهور”، محذراً من أن توحيد السلطة قد لا يقود بالضرورة إلى خفض الإنفاق العام. ويضيف أبو لسين لـ”العربي الجديد” أنّ “الإنفاق العام قد يرتفع بعد التوحيد إذا صدقت التقديرات المطروحة”، مشيراً إلى احتمال تفاقم الخلاف حول توزيع الموارد بين المناطق والأطراف.
ويرى أن تجربة عام 2026 أظهرت صعوبة الالتزام بسقوف الإنفاق، في ظل زيادة المرتبات وظهور مطالب بتمويل مشاريع إضافية. ويقول إنّ التحدي أمام الحكومة الموحدة سيكون “ضمان الالتزام بسقف الإنفاق ومنع تعدد القرارات المالية”.
وفي المقابل، يرى المحلل المالي محمود سالم أن توحيد السلطة التنفيذية قد يوفر فرصة لتقليص بعض أوجه الازدواجية المالية وتعدد أوج الانفاق العام. ويقول سالم لـ”العربي الجديد” إن الحكومة الموحدة تستطيع “توحيد أولويات الإنفاق وتقليص النفقات المكررة وتحسين تخصيص الموارد”، لكنّه يشترط لتحقيق ذلك وجود قواعد ملزمة تمنع أي جهة من إنشاء التزامات خارج الموازنة، وتخضع جميع الجهات التي تدير المال العام للرقابة والإفصاح.
وحذر صندوق النقد الدولي من اختلالات كبيرة في المالية العامة الليبية إذ قال في تقييمه لعام 2026 إن المسار المالي الحالي “غير مستدام”، مشيراً إلى عجز مالي بلغ نحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025، ودين عام يقترب من 146% من الناتج.
ودعا الصندوق إلى ضبط الإنفاق وإعادة بناء الاحتياطيات، محذراً من استمرار الضغوط على التضخم وسعر الصرف والاحتياطيات. وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة في اقتصاد يعتمد على النفط، إذ يمكن أن يتحول أي توسع في الإنفاق إلى زيادة في الطلب على السلع المستوردة والنقد الأجنبي.
موازنة موحدة واختبار التنفيذ
اعتمدت ليبيا في إبريل/ نيسان 2026 أول موازنة موحدة منذ أكثر من 13 عاماً، بقيمة 190 مليار دينار (30 مليار دولار أميركي)، وفق سعر صرف يبلغ 6.3 دنانير للدولار، في خطوة هدفت إلى إنهاء الانقسام المالي ووضع إطار موحد للإنفاق. لكن التحدي الحقيقي لا يتعلق بإقرار الموازنة فحسب، بل بقدرة الدولة على تنفيذها وفرض سقف إنفاق ملزم ومنع إنشاء التزامات جديدة خارج الإطار المالي المعتمد.
ويقول المحلل المالي عبد الحكيم عامر غيث إنّ الموازنة الموحدة تفقد جزءاً من وظيفتها كأداة للسياسة المالية إذا لم تلتزم بها جميع الأطراف والمؤسّسات التي تدير المال العام، ويضيف لـ”العربي الجديد” أن تعدّد القرارات المالية خارج إطار الموازنة “يعيد إنتاج الانقسام بصورة مختلفة، حتى في ظل وجود وثيقة موازنة واحدة”.
ويرى غيث أن الاختبار الحقيقي لأي حكومة موحدة لن يكون في إعداد موازنة جديدة، وإنما في قدرتها على تحويلها إلى قاعدة ملزمة لجميع الجهات، بحيث لا تُنشأ التزامات أو مشاريع جديدة من خارجها، ولا تُصرف موارد عامة دون تحديد مصدر التمويل وأثر ذلك على العجز والدين والاحتياطيات.
ووفق أستاذ الاقتصاد في الجامعات الليبية عادل المقرحي فإنّ المرحلة الانتقالية المقبلة قد تشكل اختباراً صعباً للمالية العامة. ويقول لـ”العربي الجديد” إن “الخطر هو أن تستخدم المرحلة الانتقالية لزيادة الإنفاق بهدف تحقيق الاستقرار السياسي، بدلاً من استغلالها لإعادة هيكلة المالية العامة”، ويضيف أن نجاح المرحلة لا ينبغي أن يقاس بإجراء الانتخابات فحسب، بل أيضاً بـ”حجم الالتزامات المالية التي ستسلمها الحكومة الانتقالية إلى السلطة المنتخبة”.
قصة الانقسام المالي
دخلت ليبيا مرحلة الانقسام المؤسّسي منذ عام 2014، مع تفاقم الخلافات السياسية والأمنية، وانعكست على إدارة المالية العامة، مع ظهور حكومات وأجهزة تنفيذية متنافسة وتعدد مراكز اتخاذ القرار والإنفاق. وأدى ذلك إلى صعوبة وضع سياسة مالية موحدة، رغم بقاء الإيرادات النفطية المصدر الرئيسي لتمويل الإنفاق العام.
وخلال السنوات التالية، ارتفع الاعتماد على الإنفاق الجاري، ولا سيما تمويل المرتبات والدعم والتحويلات، مقابل محدودية الإنفاق الموجه إلى مشاريع التنمية وتنويع الاقتصاد وزيادة الإنتاج خارج قطاع النفط.
وفي ظل اعتماد المالية العامة على عائدات النفط، تظل قدرة الدولة على تمويل الإنفاق مرتبطة بدرجة كبيرة بمستويات الإنتاج والتصدير وأسعار الخام في الأسواق العالمية، ما يجعل الموازنة أكثر تعرضاً لتقلبات أسعار النفط وتعطل الإنتاج أو الصادرات، كما أدى الانقسام المؤسّسي إلى تراكم التزامات مالية ومشاريع موزعة بين جهات حكومية وصناديق ومؤسسات مختلفة، ما جعل ضبط الإنفاق وتحديد الأولويات أكثر تعقيداً.
ويبرز صندوق التنمية وإعادة الإعمار كأحد أبرز الاختبارات أمام أي ترتيب مالي جديد، نظراً إلى حجم المشاريع والموارد التي يديرها. فالصندوق، الذي أُنشئ بموجب قانون صادر عن مجلس النواب، يتمتع بالشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة، ويتولى تنفيذ مشاريع في البنية التحتية والإسكان والصحة والتعليم والطرق وغيرها.
وأقر مجلس النواب خطة تنمية للصندوق بقيمة 69 مليار دينار للأعوام 2025 و2026 و2027. ويرى خبراء اقتصاديون أن التحدي لا يتعلق بالإنفاق على إعادة الإعمار في حد ذاته، وإنما بموقع إنفاق الصندوق والتزاماته داخل منظومة المالية العامة.
ويقول المحلل الاقتصادي بشير مصلح إنّ “وجود صندوق بحجم مالي كبير يعمل باستقلالية نسبية عن الموازنة يجعل من الصعب الحديث عن سياسة مالية موحدة ما لم تكن مشروعاته والتزاماته ومصادر تمويله واضحة ومحتسبة ضمن الإطار المالي العام.
ويضيف لـ”العربي الجديد” أنّ “الخطر ليس في الإنفاق على الإعمار، بل في غياب سقف مالي واضح لإجمالي الإنفاق العام، لأنّ توسيع الإنفاق الاستثماري بالتوازي مع الإنفاق الجاري قد يخلق التزامات يصعب تمويلها مستقبلاً، خصوصاً إذا تراجعت الإيرادات النفطية”.
ويرى أنّ المرحلة المقبلة تتطلب إخضاع جميع الإنفاقات العامة، بما فيها مخصّصات الصندوق، لمنظومة واحدة من الإفصاح والرقابة وتقييم الجدوى الاقتصادية، حتى لا يتحوّل الإعمار من أداة لتنويع الاقتصاد وتحفيز الإنتاج إلى قناة إضافية لتوسيع الإنفاق العام.
___________
