أسامة علي

يعيش الجنوب الليبي منذ مطلع العام الحالي على وقع توتر أمني متصاعد، أعاد إلى الواجهة أسئلة بدت محسومة قبل أشهر: من يسيطر فعلياً على هذه المنطقة الشاسعة؟ وهل تعكس الهجمات التي سجّلت خلال العام الحالي، تحديات أمنية فقط، أم أنها تكشف حدود السيطرة التي تعلنها قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وسط بروز أصوات قبلية واجتماعية معارضة لسياساته في الجنوب؟
وحتى نهاية عام 2025، كان الخطاب الرسمي لـ”القيادة العامة” التابعة لحفتر يقدّم الجنوب الليبي باعتباره منطقة مستقرة أمنياً وخاضعة بالكامل لسيطرته، عقب حملة عسكرية واسعة قادها نجله صدام حفتر في فبراير/ شباط من العام ذاته استهدفت مدينة القطرون، معقل قبائل التبو المتاخم للحدود مع النيجر، وانتهت بإخضاع المدينة لسيطرة قواته وإنهاء آخر بؤر التوتر في الجنوب الليبي.
غير أن هذه الصورة سرعان ما تعرضت للاهتزاز مع مطلع عام 2026، عندما أعلنت مجموعات مسلحة من قبائل التبو ظهورها تحت مسمى “غرفة عمليات تحرير الجنوب”، وتمكنت في أول تحرك لها من السيطرة لساعات على منفذ التوم الحدودي مع النيجر، الخاضع لسيطرة حفتر، وواصلت خلال الأشهر التالية تنفيذ هجمات خاطفة على مواقع عسكرية، آخرها مهاجمة حاجز أمني شمال قاعدة لويغ الجوية، في يوليو/ تموز الماضي، والسيطرة عليه لساعات. وعلى الرغم من المحاولات الحثيثة التي أجرتها قيادة حفتر لتعزيز وجودها العسكري في الجنوب الليبي وإعادة تنظيم انتشارها في المنطقة، أبرزها إنشاء تشكيل جديد حمل اسم “اللواء 18 مشاة”، واتخذ من مدينة مرزق، الأقرب إلى الجنوب الغربي، مقراً رئيسياً له وضمّ إليه جميع كتائب القيادة في المنطقة، فإن استمرار نشاط مقاتلي “الغرفة” وقدرتهم على الحركة وتنفيذ الهجمات أظهر أن إعادة الهيكلة العسكرية لم تنه حالة الهشاشة الأمنية. استعان حفتر في سيطرته على الجنوب الليبي بقبيلتي التبو وأولاد سليمان
“غرفة عمليات تحرير الجنوب الليبي“
ويقود هذه “غرفة عمليات تحرير الجنوب” محمد وردقو، وهو ضابط سابق من قبائل التبو، أنشأ منذ عام 2012 كتائب عدة شاركت في تأمين الجنوب، قبل أن ينضم إلى اللواء 128 مشاة، الذي تشكل مع اتجاه حفتر لبناء تحالفات قبلية في جنوب ليبيا عام 2016. وشارك وردقو من خلال اللواء في عمليات قتالية لمصلحة حفتر في سبها وعلى الحدود الجنوبية، وظلّ فاعلاً إلى أن أصدر حفتر قراراً بحل اللواء 128 مشاة في يناير/ كانون الثاني 2025، وإقالة قائده حسن الزادمة، الذي مثّل لسنوات أبرز أذرعه العسكرية القبلية في الجنوب.
وتكشف الانتماءات القبلية للضابطين، دردقو والزادمة، عن خلفية اجتماعية أكثر تعقيداً، إذ شكلت قبيلة التبو (مجموعة قبائل عرقية هي من إحدى أبرز قبائل ليبيا القديمة) التي ينتمي إليها وردقو، وقبيلة أولاد سليمان (من كبرى القبائل العربية في ليبيا) التي ينتمي إليها الزادمة، ركناً أساسياً في تحالفات حفتر داخل الجنوب الليبي خلال السنوات الماضية. وبعد إقالته، لجأ الزادمة إلى القطرون، وكان وجوده هناك أحد دوافع الحملة العسكرية التي قادتها قوات حفتر على المدينة في فبراير 2025، لإنهاء أي محاولة منه لبناء تحالفات جديدة، بما يعكس أن التحديات التي باتت تواجه حفتر تجاوزت البعد العسكري وامتدت إلى البنية الاجتماعية التي كان قد استند إليها في ترسيخ نفوذه خلال السنوات الماضية.
خزّان الاقتصاد الموازي
ولا تنبع أهمية الجنوب الليبي من اعتبارات الأمن والعسكر وحدها، بل أيضاً من ثقله الاقتصادي والاستراتيجي. فالإقليم، الذي يشكل نحو ثلث مساحة ليبيا، لا يتجاوز عدد سكانه نصف مليون نسمة، ويضم أكبر الحقول النفطية في البلاد (منها حقلا الفيل والشرارة). كذلك تنتشر بمحاذاة حدوده مع تشاد والنيجر والسودان مكامن ذهب يستخرج معظمها خارج الأطر الرسمية، لتغذي اقتصاداً موازياً ينمو منذ سنوات. وتبدو هذه الاعتبارات مجتمعة وراء سعي حفتر، بالتوازي مع تعزيز حضوره العسكري، إلى ترسيخ خطاب التنمية والإعمار عبر إطلاق سلسلة من المشاريع في الجنوب الليبي تحت عنوان “المبادرة التنموية لتعزيز استقرار الجنوب”.
ويوضح الخبير العسكري والمستشار السابق للقائد الأعلى للجيش الليبي، عبد الكافي، أن خريطة الانتشار العسكري في الجنوب تقوم على عدد من القواعد الرئيسية، أبرزها قاعدة الجفرة التي تمثل مركز الثقل العسكري واللوجستي في وسط البلاد، وقاعدة براك الشاطئ القريبة من سبها، أكبر مدن الجنوب، وقاعدة السارة المحاذية للحدود مع تشاد والسودان، إضافة إلى قاعدة لويغ الجوية في أقصى الجنوب الغربي.
عبد الكافي: قواعد الجنوب الليبي تشغلها قوات روسية إلى جانب كتائب محدودة تابعة لحفتر
ويشير الكافي، في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أن هذه القواعد تشغلها قوات روسية إلى جانب كتائب محدودة تابعة لحفتر تتولى مهام الحماية والتأمين، باستثناء قاعدة لويغ، معتبراً أن “الوجود الروسي يمثّل عنصر الثقل العسكري لحفتر، ولذلك كان سهلاً على قوة غرفة عمليات الجنوب استهداف بوابة شمال قاعدة لويغ لعدم قدرة حفتر على تعزيز قوته في هذه القاعدة الخالية من الوجود الروسي”.
ويرى عبد الكافي أن حفتر حاول معالجة هذا الضعف عبر جعل اللواء 18 مشاة يتمركز في مرزق للإشراف على الجنوب الغربي، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن “غرفة تحرير الجنوب” نجحت في فرض وجود ميداني عبر اعتمادها على الهجمات الخاطفة، وأظهرت هشاشة سيطرة حفتر على الجنوب الغربي، وفق رأيه.
ويرجح الخبير العسكري أن تزداد قدرة “الغرفة” على الحركة بسبب عاملين رئيسيين: أولهما معرفتها بجغرافيا الصحراء ومسالكها ونقاط الضعف في الانتشار العسكري، وثانيهما امتلاكها امتدادات اجتماعية على جانبي الحدود الجنوبية. كذلك يستند في تقديره هذا إلى ضعف علاقات حفتر مع دول الجوار، موضحاً أن “علاقته مع تشاد شهدت تطوراً خلال الفترة الأخيرة مع تعدد زيارات صدام حفتر لأنجامينا، لكن العلاقة مع السودان سيئة بسبب دعمه قوات الدعم السريع، وتوترت مع النيجر أخيراً بعد إفراج قيادة حفتر عن المعارض النيجري محمود صالح” منتصف يونيو/ حزيران الماضي.
حالة أوسع من الاعتراض
ويتقارب الصحافي الليبي المتخصص في شؤون الجنوب، موسى تيهوساي، مع تقدير الخبير العسكري عبد الكافي بشأن قدرة “غرفة تحرير الجنوب” على فرض نفسها ميدانياً، لكنه يذهب أبعد من ذلك، معتبراً أنها أصبحت تمثل “خطراً حقيقياً” على نفوذ حفتر في الجنوب، ومشيراً إلى أن البعد الاجتماعي لحراكها لا يقل أهمية عن بعدها العسكري.
وفي حديثه لـ”العربي الجديد”، يشرح تيهوساي أن تحرك وردقو، قائد الغرفة، “يعكس حالة أوسع” لدى قبائل وشخصيات عسكرية ترى أنها تعرضت لـ”ظلم وقع عليها، بعدما شعرت بأن حفتر استغلها لتوسيع نفوذه ثم أقصاها، ولهذا فإن نجاح وردقو في فرض نفسه قد يشجع آخرين على الانضمام إليه”. ويلفت إلى أن وردقو “حرص منذ البداية على إضفاء بعد اجتماعي على الغرفة عندما اختار اسمها، بل إن بيانها التأسيسي أكد أنها تُعبّر عن مظالم فئات اجتماعية واسعة في الجنوب ترى أنها مهمشة أو مضطرة إلى الصمت أمام السلاح والقوة”.
ويلفت تيهوساي إلى أن “هذه الخلفية ترتبط أساساً بطبيعة التركيبة القبلية في الجنوب، التي ترفض الهيمنة الكاملة وتطالب بالمشاركة في إدارة مناطقها”، معتبراً أن هذه الطبيعة الاجتماعية كانت أحد أسباب تراجع العلاقة بين تلك المكونات وحفتر.
موسى تيهوساي: نجاح وردقو في فرض نفسه قد يشجع آخرين على الانضمام إليه
ويرى تيهوساي أن الغرفة نجحت “في كسر الصورة النمطية التي سعت قيادة حفتر لترسيخها بشأن إحكام السيطرة على الجنوب”، معتبراً أن خطاب الغرفة “قد يتجاوز حدود المجموعة المسلحة، إذا استمر تعنت حفتر، ليتحول إلى صوت لحالة أوسع من الاعتراض على إدارة الجنوب بمنطق الهيمنة العسكرية الكاملة”.
ويلفت إلى متانة العلاقات القبلية في المنطقة، مستشهداً بمحاولة حفتر محاصرة تحركات الغرفة عبر تشجيع بعض الأطراف المعارضة في النيجر، ومن بينها محمود صالح، الذي كان معتقلاً لدى قواته قبل أن يطلق سراحه، في يونيو الماضي، ويزوده بالسلاح، إلا أن الأخير لم ينخرط في مواجهتها، لكونه ينتمي أيضاً إلى التبو. ويشير إلى محاولات أخرى قام بها حفتر لإعادة تشكيل البنية الاجتماعية في الجنوب، من بينها إنشاء “لجنة إعادة تنظيم الجنوب” نهاية العام الماضي، وتكليف ضابط باختيار قيادات قبلية جديدة موالية له، معتبراً أن هذه المحاولة لم تنجح بسبب مقاومة البنية القبلية التقليدية لهذا النوع من التدخل.
وعلى الرغم من إقراره بأن الغرفة تواجه تحديات تتعلق بضعف مصادر الإمداد والقدرات العسكرية، يرى تيهوساي أنها باتت تشكل “خطراً محدقاً” على حفتر من خلال “النصر التكتيكي القصير” الذي تحرزه. ويعرب عن اعتقاده، في هذا السياق، بأن استمرار التوتر الأمني قد يكشف بصورة أكبر حدود السيطرة التي تعلنها قيادة حفتر، خصوصاً في ظل مساعي المبادرة الأميركية الرامية، في مسارها العسكري، إلى إنشاء قوة أمنية مشتركة بين الشرق والغرب لتأمين الجنوب، بما قد يضع حفتر في موقف حرج إذا استمر عجزه عن فرض سيطرة كاملة على المنطقة.
_________________
