صلاح الهوني
ليبيا التي كانت تُعرف بوفرة النفط تحولت إلى بلد شبه مفلس حيث يعاقب المصرف المركزي المواطنين بالضرائب بينما يظل المفسدون بعيدين عن أي محاسبة.
منذ عقود، كانت ليبيا تُعرف بأنها بلد الوفرة؛ بلد النفط الذي يفيض على الخزينة العامة، وبلد الثروة التي كان يُفترض أن تُترجم إلى تنمية واستقرار ورفاهية. لكن هذه الصورة سرعان ما تلاشت، لتتحول ليبيا إلى نموذج صارخ يثبت أن الوفرة وحدها لا تكفي، وأن الثروة ما لم تُدار بحكمة وعدالة تتحول إلى لعنة.
اليوم، يقف المواطن الليبي أمام واقع مرير: عملة منهارة، أسعار ملتهبة، قرارات مرتجلة، ومؤسسات تتنازع الشرعية، فيما يظل الفساد هو المستفيد الأكبر.
القرار الأخير للبنك المركزي بفرض رسوم استيراد بشكل مباغت كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر المواطن. لم يكن أحد يتوقع أن يستيقظ الليبيون صباح الاثنين ليجدوا أن الضريبة أصبحت واقعًا مفروضًا على عدة أصناف من السلع، دون سابق إنذار أو نقاش عام أو حتى تبرير مقنع. التجار أنفسهم فوجئوا بالقرار عبر الاعتمادات المصرفية التي تقدموا بها للحصول على السلع، ليكتشفوا أن الرسوم باتت تُطبق رسميًا.
هذا الأسلوب المباغت يعكس أزمة عميقة في طريقة إدارة الاقتصاد، حيث تُتخذ القرارات في غرف مغلقة، ثم تُلقى على المواطنين كأمر واقع لا مفر منه.
ردود الفعل الشعبية كانت غاضبة، إذ اعتبر كثيرون أن القرار يعكس استخفافًا بمعاناتهم اليومية. حكومة الوحدة الوطنية، المنتهية ولايتها، سارعت إلى رفض القرار ووصْفه بغير الدستوري، محاولةً إخلاء مسؤوليتها أمام الشارع. وفي الوقت نفسه، أعلن 107 نواب أنهم غير معنيين بهذه الخطوة، وأن المصرف المركزي تبناها منفردًا.
هذا التراشق في المسؤوليات يكشف عن أزمة شرعية مضاعفة: حكومة منتهية الصلاحية، برلمان يتنصل من المسؤولية، ومصرف مركزي يتصرف كسلطة فوق الجميع. المواطن هنا يجد نفسه بلا حماية، بلا صوت، وبلا مؤسسة تتحمل مسؤولية الدفاع عن مصالحه.
الأزمة لا تقف عند حدود القرار نفسه، بل تتفاقم مع الانهيار الحاد في سعر صرف الدينار الليبي أمام العملات الأجنبية. مساء الاثنين، وصل الدولار إلى رقم قياسي غير مسبوق، 10.45 دنانير للدولار الواحد.
هذا الانهيار يعني أن القدرة الشرائية للمواطن تتآكل بسرعة، وأن أي رسوم إضافية على الاستيراد ستترجم مباشرة إلى ارتفاع جنوني في الأسعار. المواطن الذي كان يعاني أصلًا من غلاء المعيشة يجد نفسه اليوم أمام معادلة مستحيلة: دخل ثابت أو متراجع، أسعار متصاعدة، وعملة تنهار يومًا بعد يوم.
المفارقة المريرة تكمن في أن البنك المركزي، الذي يُفترض أن يكون حامي الاستقرار النقدي، تحول إلى أداة لمعاقبة المواطنين. بدلًا من أن يواجه الفساد المستشري في مؤسسات الدولة، أو أن يضع حدًا لنهب المال العام، اختار الطريق الأسهل: تحميل المواطن عبء الأزمة.
الرسوم والضرائب تُفرض على الاستيراد، بينما المفسدون الذين راكموا الثروات عبر عقود من الفوضى يظلون بمنأى عن المحاسبة. هذه المفارقة ليست مجرد خطأ إداري، بل هي انعكاس لخلل عميق في فلسفة إدارة الاقتصاد، حيث يُعامل المواطن بوصفه الحلقة الأضعف التي يمكن الضغط عليها بلا مقاومة.
ليبيا اليوم أقرب إلى دولة شبه مفلسة. رغم أنها تملك واحدًا من أكبر احتياطيات النفط في العالم، إلا أن هذه الثروة لم تُترجم إلى استقرار اقتصادي. الانقسامات السياسية، الصراعات المسلحة، الفساد المستشري، وسوء الإدارة، كلها عوامل جعلت من النفط عبئًا بدل أن يكون نعمة.
الخزينة العامة تُنهب، المشاريع التنموية تتعطل، والمؤسسات المالية تتصرف بلا شفافية. المواطن الليبي يعيش في بلد غني بالموارد، لكنه فقير في الخدمات، منهك في معيشته، ومثقل بقرارات لا تراعي واقعه.
الحديث عن “نهاية عصر الوفرة” ليس مجرد توصيف اقتصادي، بل هو إعلان عن فشل سياسي واجتماعي. الوفرة التي كانت تُغطي على العيوب لم تعد موجودة، والموارد التي كانت تُسكت الأصوات الناقدة لم تعد كافية.
اليوم، كل قرار اقتصادي يكشف هشاشة البنية، وكل انهيار في سعر الصرف يفضح حجم الفساد، وكل ضريبة جديدة تُظهر أن المواطن هو الضحية الأولى والأخيرة.
المشهد الليبي يعكس أيضًا أزمة ثقة عميقة بين المواطن والمؤسسات. حين يفرض البنك المركزي قرارًا مباغتًا، وحين تتنصل الحكومة والبرلمان من المسؤولية، يشعر المواطن أن الدولة لم تعد موجودة إلا كسلطة جباية.
هذا الشعور يفتح الباب أمام مزيد من الغضب الشعبي، وربما أمام انفجارات اجتماعية يصعب السيطرة عليها. فالمواطن الذي يُعاقب يوميًا عبر الأسعار والضرائب، بينما يرى المفسدين يعيشون في رفاهية، لن يقبل أن يظل صامتًا إلى الأبد.
من الناحية الاقتصادية، استمرار هذه السياسات يعني مزيدًا من الانهيار. الرسوم على الاستيراد ستؤدي إلى ارتفاع الأسعار، انهيار الدينار سيزيد من فقدان الثقة بالعملة الوطنية، والفساد سيظل يلتهم ما تبقى من موارد. النتيجة النهائية هي اقتصاد مشلول، سوق مرتبك، ومجتمع يعيش على حافة الانفجار.
لكن الأزمة ليست اقتصادية فقط، بل هي سياسية وأخلاقية في جوهرها. حين تُحمَّل الشعوب ثمن الفشل، بينما يُترك المفسدون بلا محاسبة، تتحول الدولة إلى أداة قمع بدل أن تكون إطارًا للعدالة.
ليبيا اليوم تحتاج إلى إعادة تعريف دور مؤسساتها، وإلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. البنك المركزي يجب أن يكون مؤسسة لحماية الاستقرار، لا أداة لمعاقبة المواطنين. الحكومة يجب أن تتحمل مسؤولية القرارات، لا أن تتنصل منها. البرلمان يجب أن يكون صوت الشعب، لا مجرد جهة تُلقي اللوم على الآخرين.
في النهاية، يمكن القول إن عصر الوفرة انتهى بالفعل، لكن هذا لا يعني أن المستقبل محكوم بالانهيار. إذا وُجدت إرادة سياسية حقيقية، وإذا جرى توجيه الموارد نحو التنمية بدلًا من الفساد، وإذا أُعيد بناء المؤسسات على أسس من الشفافية والعدالة، يمكن لليبيا أن تستعيد مكانتها.
لكن إذا استمرت السياسات الحالية، وإذا ظل المواطن هو الحلقة الأضعف التي تُعاقب يوميًا، فإن ليبيا ستظل دولة شبه مفلسة، مهما بلغ حجم ثروتها النفطية.
المواطن الليبي اليوم لا يحتاج إلى خطابات عن الوطنية أو شعارات عن السيادة، بل يحتاج إلى عدالة اقتصادية حقيقية. يحتاج إلى أن يرى المفسدين يُحاسبون، وأن يشعر أن الدولة موجودة لحمايته لا لمعاقبته.
يحتاج إلى أن يستعيد ثقته بعملته، وأن يلمس أثرًا ملموسًا للثروة النفطية في حياته اليومية. هذه المطالب ليست رفاهية، بل هي أساس أي عقد اجتماعي يمكن أن يُعيد بناء ليبيا من جديد.
الوفرة انتهت، لكن الأمل لم ينتهِ بعد. الأمل موجود إذا وُجدت الشجاعة لمواجهة الفساد، وإذا وُجدت الحكمة لإدارة الموارد، وإذا وُجدت الإرادة لإعادة بناء الدولة. أما إذا ظل البنك المركزي يعاقب المواطنين ويتجاهل المفسدين، فإن ليبيا ستظل عالقة في دائرة الانهيار، وسيظل المواطن يدفع الثمن وحده، في بلد غني بالموارد لكنه فقير في العدالة.
___________