رضوى الشريف

تُعد أزمةُ القضاءِ في ليبيا واحدةً من أكثر الأزمات المؤسسية حساسية في المشهد الليبي الراهن، ليس فقط لارتباطها المباشر بمبدأ سيادة القانون، بل لكونها تكشف عُمق التداخل بين الصراع السياسي وبنية الدولة خلال المرحلة الانتقالية الممتدة منذ عام 2011؛
ففي بلدٍ لم ينجح بعدُ في إرساء قاعدةٍ دستوريةٍ دائمةٍ، يتحول الخلاف حول الاختصاصات القضائية من مسألةٍ قانونيةٍ تِقَنيةٍ إلى ساحة صراعٍ سياسيٍ مفتوح، تتداخل فيها حسابات النفوذ مع محاولات إعادة ضبط موازين السلطة.
وقد دخلت الأزمة طورًا جديدًا مطلع العام الجاري، بعد الأحكام التي أصدرتها الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بإلغاء تعديلاتٍ أقرها مجلس النواب على قانون نظام القضاء، وما تبعها في التاسع من فبراير الجاري من بيانٍ حاسمٍ للمجلس الأعلى للقضاء أكد فيه أن أحكام الدائرة “نهائـيةٌ وملــزمةٌ للجميــع” ولا يجوز تعطيلها أو الالتفاف عليها، وتزامن ذلك مع تقدّم رئيس مجلس النواب بطعن على الحكم، مستندًا إلى قانون إنشاء المحكمة الدستورية في بنغازي لعام 2023، وهو ما أعاد الجدل حول ولاية المحكمة العليا، وحدود صلاحيات السلطة التشريعية في إعادة تشكيل المنظومة القضائية خلال المرحلة الانتقالية.
وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة أزمة القضاء بمعزلٍ عن السياق السياسي الأوسع الذي تعيشه ليبيا، حيث تتراجع فرص التسويةٌ الشاملة، وتتزايد محاولات كل طرفٍ لإعادة توظيف المؤسسات السيادية، بما فيها القضاء، لتعزيز موقعه في معادلة الحكم. وعليه، يسعى هذا التقدير إلى تتبّع جذور الأزمة القضائية، وشرْحِ تفاصيلها ومسارات تصعيدها، تمهيدًا لتحليل تداعياتها المحتملة على وحدة الدولة الليبية واستقرارها المؤسسي.
جذور الأزمة القضائية وتحوّلها إلى صراع مؤسسي مفتوح
لا يمكن فهْمُ الأزمة القضائية الراهنة بمعزلٍ عن جذورها التي تعود إلى 6 نوفمبر 2014، حين أصدرت الدائرة الدستورية بـ المحكمة العليا الليبية حُكمها بعدم دستورية التعديل الدستوري السابع وما ترتب عليه من انتخاب مجلس النواب الليبي، إذ شكّل ذلك الحكم لحظةً فاصلةً في العلاقة بين السلطتين، وأدخل البرلمان في مواجهةٍ مفتوحةٍ مع القضاء، وكرّس حالةً من الجفاء المؤسسي وعدم الثقة ظلّت كامنةً لسنوات، وإن خفّ حضورها العلني.
غير أن المسار التصاعدي للأزمة بصيغتها الحالية بدأ يتبلور بوضوح منذ أواخر عام 2022، حين انتقل الخلاف من نطاق التباين السياسي إلى محاولة إعادة تشكيل البنية القضائية ذاتها.
ففي ديسمبر من ذلك العام، أقرّ مجلس النواب قانونًا بإنشاء محكمةٍ دستوريةٍ مستقلة مقرُّها مدينة بنغازي، مع نقْل اختصاصات الرقابة الدستورية من الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس إلى المحكمة المستحدثةـ وقد مثّلت هذه الخطوة أول تحدٍ مباشرٍ للموقع المؤسسي للمحكمة العليا داخل هرم السلطة القضائية، وأعادت فتح ملف المرجعية الدستورية في ظل غياب دستور دائم.
استند مجلس النواب في هذا المسار إلى قراءةٍ مؤداها أن القوانين القضائية النافذة لا تمنح المحكمة العليا ولايةً دستوريةً أصيلة، وأن استمرار الدائرة الدستورية في نظر الطعون كان نتاجَ ترتيباتٍ انتقاليةٍ لا يجوز تثبيتها.
غير أن المحكمة العليا رفضت هذا الطرح بشكلٍ قاطعٍ، معتبرةً أن إنشاء محكمة دستورية شأنٌ دستوريٌ خالصٌ لا يجوز تنظيمه بقانون عادي، وأن نقل الاختصاصات يهدّد وحدة القضاء ويؤسس لازدواج مرجعيته، بما يمسُّ جوهر مبدأ الفصل بين السلطات.
وتعمّق الاشتباك في ديسمبر 2023، حين أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون نظام القضاء أعاد بموجبها تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، ومنح نفسه صلاحية تعيين رئيسه، مع إسقاط عضوية المحكمة العليا من تركيبته، ولم تقرأ هذه الخطوة داخل الوسط القضائي باعتبارها إصلاحًا تنظيميًا، بل بوصفها إعادة هندسةٍ مباشرةٍ لهرم السلطة القضائية، بما يضعها تحت تأثير السلطة التشريعية في مرحلةٍ انتقاليةٍ يُفترض فيها تضييق نطاق الصلاحيات لا توسيعها.
في مواجهة هذا المسار، أصدرت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا سلسلة أحكامٍ قضت بعدم دستورية تلك التعديلات، مؤكدةً أن مجلس النواب تجاوز حدود ولايته بوصفه سلطةً انتقاليةً، وأن التدخل في تنظيم القضاء يُعد إخلالًا جسيمًا بالإعلان الدستوري ومساسًا باستقلال السلطة القضائية.
وقد شكّلت هذه الأحكام نقطة انفجارٍ حقيقية، إذ انتقلت الأزمة من خلافٍ تشريعيٍ يمكن احتواؤه إلى صدامٍ علنيٍ بين أعلى جهة قضائية والسلطة التشريعية.
وخلال أواخر يناير 2026، دخلت الأزمة مرحلةً أكثر تعقيدًا، مع إعلان المجلس الأعلى للقضاء التزامه الصريح بأحكام الدائرة الدستورية واعتبارها نهائيةً ومُلزمةً، محذّرًا من أن تعطيلها يُعد مخالفةً دستوريةً جسيمةً.
في المقابل، تقدّم رئيس مجلس النواب عقيلة صالح بطعن على أحد هذه الأحكام، مستندًا إلى القول بفقدان الدائرة الدستورية ولايتها القضائية بعد إنشاء المحكمة الدستورية في بنغازي، في تصعيدٍ يعكس عُمق القطيعة بين المؤسستين.
ويقع المجلس الأعلى للقضاء في قلب هذا الاشتباك؛ إذ إن أحكام المحكمة العليا تعني عمليًا سقوط الأساس القانوني لتشكيله الحالي، ما يضعه أمام معادلةٍ دقيقةٍ بين احترام حجية الأحكام القضائية من جهة، وضمان استمرارية العمل المؤسسي من جهة أخرى.
وفي موازاة ذلك، دخلت أطرافٌ اجتماعيةٌ وسياسيةٌ على خط الأزمة، من بينها المجلس الأعلى لحكماء وأعيان ليبيا، الذي أعلن دعمه لأحكام المحكمة العليا بوصفها خطوةً لحماية هيبة الدولة وترسيخ سيادة القانون، داعيًا إلى تحييد القضاء عن التجاذبات السياسية.
لجنة الوساطة القضائية وحدود إدارة الأزمة
في ظل تصاعد المخاوف من انزلاق الخلاف إلى ازدواجٍ فعليٍ داخل المؤسسة القضائية، طُرح مطلع فبراير الجاري مسار وساطة بإشراف أممي، عبر تشكيل لجنةٍ قضائيةٍ ضمّت قضاةً متقاعدين وخبراء دستوريين، إلى جانب تمثيل عن مجلسي النواب والدولة، وعضوية من المحكمة العليا والمجلس الأعلى للقضاء.
وجاء تشكيل اللجنة باعتباره محاولةً لإدارة تداعيات الأحكام الصادرة عن الدائرة الدستورية، ومنع انتقال الأزمة من مستوى الصراع القانوني إلى مستوى الانقسام المؤسسي الكامل.
المقترحات التي تداولتها اللجنة كشفت عن طبيعة المقاربة المطروحة؛ إذ لم تستهدفْ حسم مسألة الولاية الدستورية بشكلٍ نهائي، بل سعت إلى تجميد آثارها مؤقتًا؛ فقد طُرح مقترحٌ يقضي بتعليق عملِ كلٍّ من المحكمة الدستورية في بنغازي والدائرة الدستورية بالمحكمة العليا إلى حين إقرار دستور دائم، إلى جانب إعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء عبر آلية تجمع بين الترشيح القضائي والاختيار البرلماني، فضلاً عن إعادة تنظيم الدائرة الدستورية في إطار قانون المحكمة العليا، كما تضمّنت المبادرة إحالة بعض القوانين محل النزاع إلى الإدارة العامة للقانون لدراستها خلال مدة زمنية محددة.
غير أن هذه المبادرة، التي بدت في ظاهرها صيغة وسط بين أطراف النزاع، وصلت خلال الأيام الماضية إلى طريقٍ مسدود، من دون اتخاذ خُطواتٍ تنفيذيةٍ فعلية.
ويكشف هذا التعثّر أن جوهر الأزمة يتجاوز التفاصيل الإجرائية أو الترتيبات الفنية، ليمسَّ مسألةً أعمق تتعلق بتحديد الجهة التي تمتلك القول الفصل في تعريف الشرعية الدستورية خلال المرحلة الانتقالية.
فمقترح تجميد عمل الجهتين الدستوريتين كان يعني عمليًا إقرارًا ضمنيًا بتنازع المرجعية، وهو ما يصعبُ قبوله سياسيًا من أي طرف؛ إذ ترى المحكمة العليا أن أحكامها نهائيةٌ وواجبةُ النفاذ ولا يجوز تعليقها، في حين يستند مجلس النواب إلى قانون إنشاء المحكمة الدستورية لعام 2023 لتأكيد نقل الاختصاصات. وبين هذين الموقفين، تصبح الوساطة أداةً لتأجيل الانقسام لا لإنهائه.
كما أن غياب الصلاحيات الملزمة للجنة، واعتمادها على التوافق الطوعي بين الأطراف، يحدّ من قدرتها على فرض تسويةٍ، خاصة في ظل بيئةٍ سياسيةٍ منقسمةٍ تفتقر إلى مرجعيةٍ دستوريةٍ جامعة.
ومن ثمَّ، فإن فشل المبادرة لا يعكس فقط تعثرًا إجرائيًا، بل يشير إلى انسدادٍ أعمق يرتبط بطبيعة المرحلة الانتقالية نفسها، حيث تتداخل الشرعية القانونية بالشرعية السياسية في غياب إطار دستوري نهائي.
تداعيات الأزمة القضائية على المشهد الليبي
لا تقتصر تداعيات أزمة القضاء في ليبيا على حدود الخلاف بين المحكمة العليا ومجلس النواب، بل تمتد إلى بنية الشرعية ذاتها في الدولة، إذ تمسّ سؤال الاختصاص الدستوري ومصدر السلطة في مرحلةٍ تفتقر إلى مرجعيةٍ دستوريةٍ نهائيةٍ.
ويمكن عرض أبرز هذه التداعيات على النحو الآتي:
أولا، خطر ازدواج المرجعية القضائية:
أخطر ما تنتجه الأزمة هو احتمال تكريسٍ ازدواج فعْليٍ في المرجعية الدستورية؛ فإمكانية مباشرة المحكمة الدستورية في بنغازي نظر الطعون، مقابل تمسك الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا باختصاصها، لا تمثّل خلافًا نظريًا حول تفسير نص، بل تفتح الباب أمام صدور أحكامٍ متوازيةٍ أو متعارضة.
وفي حال تحقق هذا الأمر، فإن الإشكال لن يقتصر على تضارب الأحكام، بل سيمتد إلى فقدانها صفتها الإلزامية الجامعة، حيث يستمد القضاء قوته من وحدة مرجعيته لا من تعدد هيئاته، وإذا اهتز هذا الأساس، تنتقل المؤسسة القضائية من موقع الضامن للاستقرار المؤسسي إلى ساحةٍ من ساحات الانقسام، بما يُضعف ثقةَ الأطراف السياسية والمتقاضين في حياده.
ثانيا، إعادة توظيف القضاء في الصراع السياسي:
لا يمكن قراءة الأزمة بمَعزلٍ عن السياق السياسي الأوسع؛ ففي ظل انسداد العملية الدستورية وتعثّر الانتخابات الوطنية، تكتسب المؤسسة القضائية وزنًا مضاعفًا بوصفها المرجعية التي يمكن الاحتكام إليها في النزاعات الكبرى، سواء المتعلقة بشرعية المؤسسات أو القوانين الانتخابية أو الترتيبات الدستورية المؤقتة.
غير أن سعي مجلس النواب إلى إعادة هندسة المجلس الأعلى للقضاء أو نقل الاختصاصات الدستورية لا يُفهم فقط في إطار إصلاحٍ قانونيٍ، بل كجزءٍ من إعادة التموضع السياسي. وهكذا يتحول القضاء، في لحظة التنافس الحاد، إلى عنصرٍ ضمن معادلة النفوذ، بما يعكس انتقال الصراع من المجال التنفيذي إلى بنية الضبط المؤسسي نفسها.
ثالثا، اهتزاز الثقة المجتمعية في الدولة:
ظل القضاء، رغم هشاشة الدولة الليبية، إحدى المؤسسات الأقل انقسامًا مقارنةً بالحكومات المتنافسة أو المؤسسات المالية. ومن ثمَّ، فإن اهتزازه يحمل دلالةً رمزيةً خطيرةً مفادها أن لا مؤسسة سيادية بمنأى عن التجاذب السياسي.
ويزداد هذا البعد حساسية في ظل ملفاتٍ مفتوحةٍ تتعلق بالعدالة الانتقالية، وحماية الهوية الوطنية، ومكافحة الفساد، وقضايا الأرقام الوطنية والتزوير. إذ إن أي تشكيك في شرعية الجهة القضائية المختصة قد يُستخدم ذريعةً لتعطيل هذه المسارات أو الطعن في نتائجها، بما يعمّق فجوة الثقة بين المواطن والدولة.
رابعا، انعكاسات على المسار الانتخابي والاستحقاقات المقبلة:
تنظر الأمم المتحدة والقوى الدولية المنخرطة في الملف الليبي إلى استقرار المؤسسة القضائية بوصفه شرطًا أوليًا لأي عمليةٍ انتخابيةٍ ذات مصداقية؛ فالقضاء هو المرجعية النهائية للفصل في الطعون الانتخابية والنزاعات المرتبطة بشرعية النتائج.
ومن ثمّ، فإن استمرار النزاع حول المرجعية الدستورية يُضعف الثقة في قدرة ليبيا على إدارة استحقاقٍ انتخابيٍ جامع، ويعزز احتمالات تدخلات سياسيةٍ خارجيةٍ أعمق، سواء عبر مبادرات لإعادة ترتيب الإطار الدستوري المؤقت، أو عبر ضغوط لإنتاج تسوية جديدةٍ تعيد ضبط العلاقة بين السلطات.
في الختام؛
تكشف أزمة القضاء الحالية في ليبيا عن انتقال الصراع السياسي من مستواه التقليدي إلى صُلب البنية المؤسسية، حيث لم تعد النصوص القانونية مجرد أدوات تنظيم، بل تحولت إلى ساحاتِ مواجهة على الشرعية والصلاحيات، وبينما تعكس أحكام المحكمة العليا محاولةً لإعادة ترسيم حدود الفصل بين السلطات، فإن مقاومتها من قِبلِ السلطة التشريعية ( مجلس النواب الليبي) تُبرز عمق المأزق الانتقالي وغياب التوافق على قواعد اللعبة الدستورية.
وفي ظل غياب حلٍ دستوريٍ شامل، تبدو مسارات الاحتواء، وعلى رأسها لجنة الوساطة القضائية، أدوات لتجميد الأزمة لا معالجتها.
وعليه، فإن مستقبل القضاء الليبي سيظل رهينًا بمدى قدرة الفاعلين السياسيين على تحييد المؤسسة القضائية عن صراعات النفوذ، وربط أي إصلاحٍ قضائيٍ بتسويةٍ سياسية أوسع، تضع حدًا لتآكل الدولة، وتُعيد الاعتبار لسيادة القانون كمُرتكزٍ لا غنى عنه للاستقرار.
____________