صلاح الهوني

المطلوب رؤية اقتصادية متفق عليها وطنياً تربط بجرأة وشجاعة بين الإصلاح المالي النقدي من جهة وسياسات الحماية الاجتماعية ودعم الإنتاج المحلي ومحاربة الفساد من جهة أخرى.
في خطوة هزت المشهد الاقتصادي الليبي المأزوم، أقدم البنك المركزي على تخفيض سعر صرف الدينار مقابل الدولار بنسبة تقارب 15%، في محاولة لتوحيد سعر الصرف الرسمي مع نظيره في السوق الموازية، أو الاقتراب منه على الأقل.
هذا القرار، الذي طال انتظاره في أروقة الخبراء والمؤسسات المالية الدولية، لم يأتِ من فراغ، بل هو اعتراف رسمي صارخ بعمق الأزمة المالية التي استشرت في جسد الدولة الليبية لسنوات، والتي تحولت فيها الفجوة المتسعة بين سعري الصرف الرسمي والموازي إلى مؤشر خطير على انهيار الثقة في النظام المالي بأكمله.
لكن هذا القرار المفصلي يطرح سؤالاً مصيرياً أمام المسؤولين والخبراء والمجتمع الدولي على حد سواء:
هل يمثل هذا التخفيض، رغم صعوبته، بداية حقيقية لمسار إصلاحي طال انتظاره، أم أنه مجرد إجراء جديد سيثقل كاهل المواطن الليبي، الذي أنهكته الأزمات، وتزيد من تعقيد المشهد دون معالجة جذرية لأسباب الداء؟
الإجابة لا تكمن في القرار ذاته، بل في السياق الذي أُتخذ فيه، والإجراءات التي ستليه، والرؤية السياسية الشاملة التي تنقص المشهد الليبي منذ سنوات.
لفهم حجم التحدي، لا بد من العودة إلى جذور الأزمة التي تسببت في تدهور قيمة الدينار الليبي بهذا الشكل المزري.
فالانقسام السياسي الحاد بين شرق البلاد وغربها، مع تعدد المؤسسات السيادية وتضارب قراراتها، شكّل البيئة المثلى لتفشي الفساد المالي والإداري وسوء إدارة الثروة النفطية، المصدر شبه الوحيد للدخل القومي.
كما أن تراجع الإنتاج النفطي بسبب توقف بعض الحقول أو عدم استقرار عمليات الإنتاج، مع استمرار الإنفاق الحكومي المرتفع وغير الفعال، أدى إلى ضغط هائل على الاحتياطيات الأجنبية.
في هذا الفراغ، نمت وتضخمت السوق الموازية (السوق السوداء) بشكل سرطاني، لتصبح هي المُنظّم الفعلي لقيمة العملة في حياة الناس اليومية، بينما ظل السعر الرسمي مجرد رقم على الورق لا يعكس الواقع إلا في معاملات محدودة.
هذا الازدواجية لم تؤد فقط إلى إهدار مليارات الدولارات في عمليات تحويل وهمية وصفقات فاسدة، بل قضت على ما تبقى من ثقة المواطن والمستثمر في النظام المالي الرسمي، وحوّلت الاقتصاد إلى فوضى تنفع فقط شبكات المصالح والفساد.
القرار الأخير هو، في جوهره، محاولة يائسة لاستعادة هذه الثقة المهدرة واسترداد جزء من سيطرة الدولة على سياسة سعر الصرف.
لكن ثمن هذه المحاولة يبدو فادحاً على المواطن الليبي العادي، الذي يدفع دائماً فاتورة الأزمات التي لم يخلقها.
فقانون الاقتصاد الأساسي يقول إن تخفيض قيمة العملة المحلية يؤدي حتماً إلى ارتفاع فوري في أسعار السلع المستوردة، والتي تشكل جزءاً كبيراً من سلة استهلاك الأسرة الليبية، من الغذاء والدواء إلى المواد الإنشائية والأجهزة.
ومع غياب إنتاج محلي قوي يمكنه تعويض هذا الارتفاع، فإن النتيجة الحتمية هي تراجع حاد في القدرة الشرائية، خاصة للفئات ذات الدخل المحدود والثابت، كالموظفين والمتقاعدين.
لن تقتصر التأثيرات على السلع الفاخرة، بل ستطال أساسيات الحياة، مما يهدد بانزياح فئات من الطبقة الوسطى إلى دائرة الفقر، وتعميق فقر الفقراء بالفعل.
هذا الوضع يخلق أعباء اجتماعية ونفسية جسيمة، ويهدد بزيادة معدلات الجريمة والاضطراب الاجتماعي، في بلد يعاني أصلاً من هشاشة الأمن وانتشار السلاح.
بمعنى آخر، بينما قد يكون القرار ضرورياً من منظور الصحة المالية الكلية للدولة، فإنه يضع عبئاً غير عادل على كاهل من هم أقل قدرة على التحمل، ما لم يرافقه حزمة حماية اجتماعية ذكية وفعالة.
هنا تكمن التحديات الجسيمة التي تواجه الحكومة والسلطات المعنية. فالتخفيض وحده، دون إجراءات مصاحبة، هو وصفة لكارثة اجتماعية.
التحدي الأول والأكثر إلحاحاً هو توفير شبكة أمان اجتماعي تحمي الفئات الأكثر هشاشة من الصدمة التضخمية.
هذا يتطلب آلية دعم مستهدفة وشفافة، تعتمد على قاعدة بيانات سكانية موثوقة، لتقديم تحويلات نقدية أو دعم للسلع الأساسية بشكل مؤقت.
لكن هذا غير كاف. بل يجب أن يكون القرار بوابة لدخول حزمة سياسات اقتصادية متكاملة تتعامل مع الأسباب الهيكلية للأزمة.
:وهذا يشمل
-
أولاً ضبط السوق الموازية فعلياً عبر تعزيز آليات المراقبة ومكافحة تهريب العملة والفساد في المنافذ،
-
وثانياً دعم الإنتاج المحلي في القطاعين الزراعي والصناعي لتقليل الاعتماد على الاستيراد،
-
وثالثاً إصلاح المالية العامة عبر ترشيد الإنفاق وزيادة كفاءته وتنويع مصادر الإدرار غير النفطي.
الأصعب من ذلك كله هو تحقيق التوازن الدقيق بين متطلبات الإصلاح المالي الصارم، الذي قد يكون مؤلماً على المدى القصير، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي الذي هو شرط أساسي لأي إصلاح ناجح.
هذا التوازن يحتاج إلى حكمة سياسية وشرعية شعبية واستقرار مؤسسي، وهي كلها عناصر شحيحة في المشهد الليبي الحالي.
ولا يمكن فصل هذا القرار الاقتصادي الفني عن بعده السياسي والاجتماعي الأوسع. فهو يعكس، في العمق، هشاشة الوضع السياسي الليبي المستمر.
فوجود سلطتين تنفيذيتين ومؤسستين ماليتين، وإن بدأتا مؤخراً في تنسيق محدود، يظل تهديداً يجعل أي إصلاح قابل للانتكاس في أي لحظة بسبب تعارض المصالح أو الصراع على السلطة.
كما أن تدهور الوضع الاقتصادي بشكل أكبر قد يؤدي إلى موجات غضب شعبي عارمة، تشعل الشارع في شرق البلاد وغربها، وتزيد من تعقيد المهمة السياسية والأمنية.
هنا يبرز دور المجتمع الدولي الذي يتعامل مع ليبيا غالباً من منظور الأمن والهجرة فقط. فالدول المؤثرة والمؤسسات المالية الدولية مطالبة اليوم بدور أكثر فاعلية ومسؤولية.
ليس دورها أن تفرض سياسات جاهزة، بل أن تقدّم دعماً تقنياً حقيقياً لبناء القدرات المؤسسية، وتشجيع الحوار السياسي الذي يضع الأسس الاقتصادية ضمن أولوياته، وربط أي دعم مالي أو إغاثي بمعايير واضحة للإصلاح والشفافية ومكافحة الفساد.
الضغط الإيجابي من أجل توحيد المؤسسات وضمان شمولية عملية صنع القرار الاقتصادي قد يكون مساهمة أهم من أي قرض جديد.
يمثل تخفيض سعر صرف الدينار الليبي خطوة ضرورية من الناحية الفنية لتصحيح تشوهات السوق، لكنها تبقى خطوة غير كافية بل وخطيرة إذا جاءت منفردة. إنها أشبه بمن يحاول علاج مرض عضال بواسطة مسكن للألم؛ قد يخفي العرض لحظة، لكنه لا يعالج السبب.
المطلوب اليوم هو رؤية اقتصادية شاملة ومتفق عليها وطنياً، تربط بجرأة وشجاعة بين الإصلاح المالي النقدي من جهة، وسياسات الحماية الاجتماعية ودعم الإنتاج المحلي ومحاربة الفساد من جهة أخرى.
يجب أن يكون المواطن، وليس عدد براميل النفط أو أرصدة العملة، في قلب هذه الرؤية.
السؤال المفتوح الذي يظل ملقىً على طاولة كل مسؤول ليبي وخبير دولي هو:
هل تمتلك النخبة الليبية، بكل ألوانها السياسية والإقليمية، الإرادة والحكمة الكافية لتحويل هذه الأزمة المالية الصعبة إلى فرصة تاريخية لإعادة بناء عقد اجتماعي واقتصادي جديد؟
عقد يقوم على اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة، ونظام مالي أكثر شفافية وعدالة، يحفظ كرامة المواطن ويضمن مستقبلاً أفضل للأجيال القادمة.
الإجابة ليست في البنك المركزي وحده، بل في إرادة سياسية جامعة، تضيء في نفق الأزمة الطويل.
____________
