كريمة ناجي

وجود 29 مليون قطعة سلاح خارج القانون دفع المجموعة الدولية إلى دق ناقوس الخطر من تحول البلاد إلى قنبلة موقوتة تهدد أمن أفريقيا وأوروبا.

نشاط أجنبي مسلح صنف ليبيا كواحدة من مراكز تهريب الأسلحة ودعم الميليشيات المحلية، وفق تقرير صادر عن البرلمان الإيطالي في فبراير الماضي.

تحولت الأراضي الليبية إلى بيئة مناسبة لتنامي حركة السلاح التي اشتد عودها بعد سقوط نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011، على رغم تواصل حظر توريد السلاح على ليبيا من قبل مجلس الأمن الدولي منذ عام 2011، وإطلاق الاتحاد الأوروبي عملية بحرية عرفت بـإيريني” عام 2019، بهدف تطبيق قرار الحظر على توريد السلاح إلى ليبيا الذي شهد تطورات كثيفة عرتها حرب أبريل (نيسان) عام 2019، التي شنتها القوات المسلحة بالشرق الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر على العاصمة الليبية طرابلس.

مخازن للذخيرة

تقارير أممية ودولية كشفت عن وجود أسلحة ومخازن متنوعة للذخيرة، قدرت وقتها بـ29 مليون قطعة سلاح خارج الأطر القانونية للدولة الليبية، ودفعت بالمجموعة الدولية إلى دق ناقوس الخطر من تحول ليبيا إلى قنبلة موقوتة تهدد أمن أفريقيا وأوروبا، لا سيما أن البلد شهد عام 2013 تفجير مخزن للذخيرة في منطقة براك الشاطئ راح ضحيته 40 قتيلاً.

فيما انفجر نهاية الشهر الماضي في مدينة مصراتة مخزن للذخيرة سقط على أثره 16 جريحاً، وعلى رغم صدور أكثر من قرار رسمي، كان آخرها قرار وكيل وزارة الدفاع عبدالسلام زوبي، بضرورة تسليم الأسلحة للجهات الرسمية وإخلاء المدن والقرى السكنيةمن مخازن الذخيرة، فإن قادة المجموعات المسلحة يصرون في كل مرة على رفض تسليم معداتهم وأسلحتهم.

وتتوزع في ليبيا قرابة 300 ميليشيا مسلحة بمختلف انتماءاتها الأيديولوجية والسياسية والقبيلة على كامل الأراضي الليبية، وتقول تقارير دولية إنها تتغذى على وجود عدد من القوات الأجنبية في قواعد عسكرية ليبية على غرار القوات التركية التي تتخذ من قاعدة الوطيةغرب البلد مقراً لها، والتي عرفت بدعمها القطب الغربي، بينما تنشط قوات الفيلق الأفريقيالروسية في الشرق الليبي الذي يعد نقطة انطلاق نشاطها العسكري نحو الساحل الأفريقي

نشاط أجنبي مسلح صنف ليبيا كواحدة من مراكز تهريب الأسلحة ودعم الميليشيات المحلية، وفق تقرير صادر عن البرلمان الإيطالي في فبراير (شباط) الماضي.

التقرير البرلماني الصادر عن اللجنة البرلمانية لأمن الجمهورية الإيطالية، التي يترأسها النائب الديمقراطي لورنزو جويريني، كشف عن أن ليبيا أصبحت فريسة للاتجار بالبشر، إلى جانب تهريب الوقود والمخدرات والأسلحة“.

وقال التقرير إن الساحل الأفريقي أصبح بيئة مناسبة لكثير من الأنشطة غير المشروعة، محذراً من تطور الدور الروسي في ليبيا، إذ يذهب إلى أن موسكو تستخدم البلاد كمركز لتهريب الأسلحة ودعم الميليشيات المحلية، مؤكداً أن هذه الأنشطة تصب في خانة تزايد النفوذ الروسي في جملة من الدول الأفريقية على غرار مالي وبوركينا فاسو، حيث تركز روسيا على دعم الأنظمة الانقلابية.

الحرب الليبية التشادية 

تلك المعلومات أكدها المدير السابق لإدارة الإرهاب والاستخبارات السودانية اللواء عيسى أبكر  يوسف، مضيفاً لـاندبندنت عربية، أنه بانتشار مخازن الذخيرة ووجود 29 مليون قطعة سلاح خارج الأطر القانونية أضحت ليبيا أكبر مهدد للسلم والأمن الدوليين في أفريقيا وأوروبا.

فالتقرير البرلماني الإيطالي تحدث عن خطورة انتشار السلاح بعد سقوط نظام القذافي عام 2011، غير أن يوسف يؤكد أن الخطر المحدق بالقارة السمراء ونظيرتها العجوز يعود إلى الحرب التشادية الليبية التي بدأت منذ عام 1978 وتواصلت حتى 1987، حيث استطاع القذافي وقتها أن يضخ كميات كبيرة جداً من السلاح إلى ليبيا واستخدمها في تشاد عبر التسليح القبلي.

وأضاف المتخصص في الشؤون الأمنية والإقليمية أن القبائل في تشاد متداخلة مع القبائل الزنجية والعربية في السودان، إذ عمل القذافي وقتها على تسليح هذه القبائل وبخاصة المعارضة للحكومة التشادية، إذ كانت تدعمها ليبيا لتحارب بالنيابة عنها في تشاد، وهي قبائل لها امتداد قبلي في إقليم دارفور وبقية السودان.

وأوضح أن التسليح في بداية الحرب الليبية التشادية كان مقتصراً على الدولة الليبية فحسب، لكنه في ما بعد انقلب إلى تسليح قبلي شمل كلاً من قبائل القرعانوالمحاميدوغيرها من القبائل الأفريقية التي أسهمت في انتشار السلاح، مما شكل تهديداً خطراً على جنوب الصحراء الأفريقية بصورة كبيرة بسبب ضخ القذافي السلاح هناك.

منوهاً بأن هذا السلاح الذي انتشر في ليبيا ودارفور وتشاد أصبح مثل أي سلعة عادية باعتبار أن الحدود مفتوحة ومتاحة للقبائل والعشائر الموجودة في كل المنطقة التي أصبحت فضاءً ملائماً لتجارة السلاح بثمن زهيد، وهو ما جعلها (الأسلحة) تدور في فلك الاستخدام القبلي والسياسي.

فكلما احتاجت قبيلة للسلاح تذهب إما إلى القذافي أو إلى المعارضة التشادية أو الحكومة التشادية التي كانت تدعم بدورها القبائل المعادية القذافي، وهكذا أضحت حركة السلاح سهلة إلى درجة أنها أصبحت تهدد تشاد والسودان عبر دارفور وليبيا.

سلاح متحرك 

المتخصص في الشؤون الأمنية والإقليمية أكد أن قضية انتشار السلاح في أفريقيا  تطورت أكثر في الحروب التشادية التشادية منذ عام 1990 وحتى 2010، فخلال هذه الفترة شهدت المنطقة انتشاراً كبيراً للسلاح والمال الليبي، إذ قامت تشاد بدعم قبائل الزغاوة.

وفي 2005 ساعد الرئيس التشادي السابق إدريس ديبي، القبائل الزنجية مساعدة كبيرة جداً لتسهم في غزو دارفور بسلاح تشادي مقدم من ليبيا، وقامت هذه القبائل بغزو دارفور عام 2003، وأصبحت الحرب شرسة جداً في دارفور وساعد فيها ديبي بغزو الإقليم، فقامت حركات دافور بضرب مطار الفاشر عام 2003، ثم تطورت الحرب مما دفع حكومة الإنقاذ السودانية إلى دعم المعارضة التشادية حتى ضربت القصر الرئاسي في تشاد.

تطورات مسلحة في بلدان أفريقية كان السبب فيها وقتها سلاح القذافي، باعتبار أنه من جلب كل هذه الكمية من الأسلحة من شرق أوروبا والاتحاد السوفياتي وأيضاً من أميركا بطرق رسمية وغير رسمية (التهريب)، مما جعل من ليبيا البؤرة الأساسية التي انطلق منها السلاح ليغذي التمرد في تشاد وفي دارفور.

وفي الأخير يسقط نظام القذافي بالسلاح نفسه الذي دمر به تشاد ودارفور، وفق المتخصص الأمني السوداني، الذي كشف لـاندبندنت عربية، عن أن الأمر تعقد بصورة شديدة عند سقوط القذافي في 2011، منوهاً بأن هذه السنة هي التي حولت ليبيا إلى قنبلة موقوتة تهدد أمن أفريقيا وأوروبا، لا سيما أنها أصبحت مرتعاً خصباً للميليشيات والعصابات والجماعات المتطرفة.

وكشف عن أن الحرب الأهلية في ليبيا فتحت شهية كل الميليشيات والمجموعات المسلحة والعناصر المتطرفة التي كانت تنشط في دارفور على الذهاب إلى ليبيا، وبذلك أصبح السلاح منتشراً ويستخدم في الجرائم العابرة للحدود.

ومثلما زعزعت ليبيا الأمن القومي في تشاد ودارفور، مستخدمة في ذلك السلاح الذي جلبته للحرب الليبية التشادية، تزعزع أمنها القومي بعد عام 2011 بالسلاح ذاته الذي تطور من جهة الكم والنوع على خلفية التمدد الروسي في المنطقة، ليصبح بذلك عنصر تهديد للأمن الإقليمي لكل المنطقة المحيطة بليبيا، على غرار السودان ومصر وليبيا والنيجر ومالي والجزائر وتونس، وشمل الخطر حتى المنطقة الأوروبية باعتبار أنه سلاح متحرك.

الغرب الأفريقي 

يوضح المتخصص السوداني في الشؤون الأمنية أن الغرب الأفريقي أصبح مرتعاً للجماعات المتطرفة التي يغذيها السلاح، على غرار جماعة بوكو حرام، موضحاً أنه سلاح متنوع في كميته ونوعيته وفاعليته، ومن السهل الحصول عليه نظراً إلى الامتداد القبلي للقبائل المشاركة في الحروب، فعلى سبيل المثال هناك قبائل شاركت في حرب حفتر على طرابلس في غرب ليبيا وانتقلت في مرحلة تالية لزعزعة الأمن في دارفور

ويضيف أن ما جعل من ليبيا عنصراً مهدداً لأمن أفريقيا وأوروبا هو وجود الامتداد القبلي بين تشاد ومالي والسودان وليبيا، مما سهل تحرك القبائل بسلاحها وعرباتها المقاتلة من ليبيا نحو دارفور وتشاد، منوهاً بأن هذه القبائل نفسها تشارك في العمليات المتطرفة غرب أفريقيا، التي أصبحت الآن تعيش تحت تأثير هذه القبائل وهذا السلاح الذي يخترق كل الحدود الأفريقية ليصل إلى الجماعات المعارضة لنظام الحكم في بلدانها، فبعد التدريب في الشرق الليبي تحصل على عتادها ثم تتحرك إلى دولها لزعزعة الأمن والاستقرار بها.

وأكد أن هذا السلاح والتدريب المتاح لحركات المعارضة الأفريقية المسلحة جعل من ليبيا مهدداً أمنياً لأفريقيا وأوروبا باعتبار أنها تشكل نقطة عبور نحو القارة العجوز، فالشباب الطامح في الوصول إلى أوروبا تسهل له بعض الميليشيات المسلحة والمجموعات المتطرفة الطريق، شرط تنفيذ أي أعمال إرهابية أو إجرامية في أوروبا أياً كان نوعها، بخاصة أنها تسيطر على طرق تهريب البشر

وقال إن هذا التحرك البشري من أفريقيا إلى أوروبا عبر الهجرة غير النظامية يتحرك معه السلاح والإرهاب والمخدرات، فكثير من العمليات الإرهابية التي تمت في مناطق أوروبية عدة كان المنطلق فيها من ليبيا، سواء تدرباً أو تسلحاً أو تمويلاً، محذراً من تنامي أمواج الهجرة غير النظامية بين ليبيا وأوروبا، باعتبارها تشكل قناة من قنوات تهريب السلاح إلى القارة العجوز، فالهشاشة الأمنية الموجودة في ليبيا تؤثر تأثيراً بالغاً في كل من أفريقيا وأوروبا.

قاعدة خلفية 

من جانبه أكد مستشار الأمن الإقليمي والعلاقات الدولية، اللواء المصري محمد عبد الواحد، أن وجود سلاح في غياب الدولة الليبية وحكومة تسيطر على ترابها الوطني بالكامل حولت ليبيا إلى دولة متقهقرة، زادها هشاشة وجود مجموعات مسلحة ترفض تسليم أسلحتها ومخازن الذخيرة، وجميعها عناصر تنذر بالخطر وبصراعات أهلية يبدو أنها ستمضي في تحويل الدولة الليبية إلى ملاذ أوسع للجماعات الإرهابية والجريمة المنظمة بخاصة على مستوى أوروبا عبر الهجرة غير النظامية.

ووصف مستشار الأمن الإقليمي الحال الليبية بـالصعبة، داعياً إلى سحب السلاح في أقرب وقت، والعمل على دمج الصالح من هذه الميليشيات في مؤسسة عسكرية واحدة حتى لا تتطور النزاعات المحلية إلى تجاذبات إقليمية، لأن حامل السلاح مستفيد من الوجود في ليبيا لأنه يفرض آراءه بقوة، ويحقق مصالح اقتصادية، ولديه نفوذ من دون مساءلة أو محاسبة قانونية، مما ينذر دوماً بوجود مقاومة لعملية تسليم السلاح والذخيرة من قبل أمراء الحرب.

من جهته أكد العميد المتقاعد في قوات الجيش التونسي مختار بالنصر، أن انتشار 29 مليون قطعة سلاح خارج الأطر القانونية في ليبيا، إلى جانب رفض الجماعات المسلحة تسليم مخازن الذخيرة للدولة، يشكل تهديداً خطراً لا يقتصر فقط على الداخل الليبي، بل يمتد أثره إلى الإقليم المجاور، وخصوصاً أوروبا

وحول كيفية تحول العناصر التي سلف ذكرها إلى قنبلة موقوتة تهدد أمن أوروبا، قال بالنصر إن فوضى السلاح تخلق بيئة خصبة للإرهاب والجريمة المنظمة، فالسلاح غير المنضبط يعزز من وجود الجماعات المتطرفة مثل داعشوالقاعدةوغيرهما، التي بإمكانها استخدام ليبيا كنقطة انطلاق أو قاعدة خلفية للتخطيط لهجمات إرهابية داخل أوروبا، فالجماعات الإرهابية تستفيد من فوضى السلاح لتجنيد الأفراد وتهريب المتفجرات والأسلحة إلى دول البحر المتوسط.

وتابع العميد التونسي أن الفوضى الأمنية في ليبيا تجعلها نقطة عبور رئيسة للمهاجرين غير الشرعيين المتجهين إلى أوروبا عبر البحر، والجماعات المسلحة المستفيدة من تجارة السلاح تسيطر على طرق تهريب البشر وتستغل المهاجرين في الأعمال الإرهابية، مبيناً أن وجود هذا العدد الكبير من الأسلحة (29 مليون قطعة سلاح) يزيد من احتمالية تحول قوارب الهجرة إلى تهديد أمني إذا ما استخدمت لتهريب الأسلحة إلى أوروبا، كما أن شبكات التهريب قد تنقل أسلحة ليبية إلى دول أوروبية بطريقة غير مشروعة، فبعض العمليات الإرهابية في أوروبا ثبت ارتباط منفذيها بأسلحة مصدرها مناطق نزاع من بينها ليبيا.

وتابع أن غياب الدولة واستمرار رفض الجماعات المسلحة تسليم الأسلحة والذخائر، يشير إلى ضعف الدولة المركزية، وهذا الوضع يفتح الباب لتدخلات خارجية وصراعات بالوكالة قد تمتد تداعياتها إلى السواحل الأوروبية، فأي انفجار جديد أو حادثة عرضية قد يعيدان إشعال المواجهات، مما يدفع موجات جديدة من اللاجئين نحو أوروبا.

وكشف بن نصر عن أن وجود سلاح بهذا الكم يصعب على أوروبا التدخل دبلوماسياً أو إنسانياً في ليبيا من دون مخاطرة، فالبعثات الدبلوماسية والمنشآت النفطية التي تستثمر فيها الشركات الأوروبية قد تصبح أهدافاً محتملة في ظل غياب السيطرة الأمنية، ما من شأنه أن يجعل ليبيا منطقة غير مستقرة على حدود البحر المتوسط، موضحاً أنه مع القرب الجغرافي من أوروبا، فإن أي تصعيد أو انفجار داخلي قد تكون له انعكاسات مباشرة على أمن أوروبا، بخاصة في ملفات الهجرة والإرهاب وتهريب السلاح.

_____________

مقالات مشابهة