عبدالله الكبير

مع كل جريمة إخفاء قسري ترتكبها عصابات الاجرام في الشرق الليبي، تتداعى إلى الذاكرة عمليات الاخفاء والاعتقالات السابقة، التي مازال يلفها الغموض ولم يكشف عن تفاصيلها، ولم يعلن عن مصير ضحاياها، ولعل أكثرها شهرة هي اخفاء النائب بمجلس النواب السيدة سهام سرقيوة.

على نفس الطريق مضى النائب إبراهيم الدرسي، حيث تعرض للخطف والاخفاء منتصف هذا الشهر، وحتى كتابة هذه السطور لا أحد يعلم مصيره، إذ لم تعلن الجهة الخاطفة عن مسؤوليتها عن خطفه واخفائه، ولم تكشف الأجهزة الأمنية التي زعمت أنها تواصل عمليات البحث، عن أي آثار أو أدلة قد تفضى لتقدم ما في مسار البحث.

 وقياسا بحالات سابقة وقعت في مناطق نفوذ سلطات الاجرام، فإن الدرسي يحتمل أنه على قيد الحياة ولكنه مصاب ويتلقى العلاج سرا، وسيطلق سراحه بعد حين، ويحتمل أنه قتل أثناء أو بعد عملية خطفه واخفائه. وفي الحالتين لن تكشف عصابات الاجرام عن مصيره، مراهنة على النسيان ووقوع تطورات الأخرى تشغل الناس، وتهدأ الضجة المصاحبة للحادث، ولن يذكر إلا حينما تحل ذكرى خطفه واخفائه

 الرواية الرائجة في اخفاء الدرسي، هي احتجاجه المعلن على تفتيشه، والمعاملة الفظة التي تعرض لها، قبل السماح له بالدخول إلى منصة احتفال حفتر، وحسب هذه الرواية الدرسي انتقد سيطرة أبناء حفتر وأقاربه على المناصب الرفيعة، وغياب أبناء برقة الأصليينعن صدارة المشهد.

إذا صحت هذه الرواية فرد الفعل الطبيعي من السلطة هو اعتقاله واخفائه، ثم ينتهي مصيره إلى ما انتهت إليه السيدة سهام سرقيوة، أو يظهر مجددا بعد عدة شهور مثل فرج اقعيم، بعد أن يعاد تأهيله للحقيقةالتي ينبغي أن يؤمن بها ولا يخرج عنها لأي سبب، وتمسح من ذاكرته بشكل نهائي حقيقة سيطرة حفتر وعائلته وعشيرته على مقاليد الأمور في برقة.

السلطة الشمولية في أي زمان ومكان لابد أن تمتد يدها الطويلة إلى المجال العام، وتخضع كل الأنشطة لرقابتها المباشرة، فالسلطة هي صاحبة القول الفصل في كل القضايا، والقانون هو قانون الحاكم المطلق، والمواطن أو الرعية بمعنى أدق، لا يمكنه تبني مواقف وأفكار وآراء مخالفة أو مناهضة لتوجهات السلطة.

هذا الموقف سيعرضه لخطر الاعتقال والتعذيب وحتى القتل، ثم تلفق له أي تهمة، كإجراء احترازي يحفظ السلطة من أي تبعات قانونية في المستقبل، ولكن هل تشمل هذه التوجهات والإجراءات الشخصيات المعروفة بولائها للسلطة الشمولية؟ 

كل الشواهد تشير إلى إجابة واحدة. نعم تشملهم إذا بدر منهم أي تصريح أو سلوك مخالف، وربما يكون عقابهم أشد لأنهم في هذه الحالة قد يتهمون بالخيانة.

لم يعرف عن النائب الدرسي تبنيه لأي مواقف مخالفة لسلطة حفتر، بل هو مؤيد ومشارك بكل قوة لحفتر، يدافع ويبرر لإجرامه في مجلس النواب وعبر المنابر الفضائية، شأنه في ذلك شأن النائب السيدة سهام سرقيوة. لماذا إذا يتم خطفه وإخفاءه؟ 

هناك حادثان سابقتان مشابهتان يمكن بدراسة تفاصيلهما إلقاء بقعة ضوء تزيح بعض الغموض في حادثة النائب الدرسي

 دافعت سرقيوة عن حفتر وبررت إجرام عصابته بالضرورة التي تحتمها مكافحة الإرهاب، وهذا هو الموقف المثالي للسلطة القمعية الشمولية، وكان يمكن غض النظر عن مطالبتها باستدعاء حفتر ومساءلته أمام مجلس النواب، ولكن لم يكن ممكنا تجاوز ظهورها على التلفزيون، واعتراضها على حرب عصابات حفتر على طرابلس، فتم اقتحام بيتها من قبل مليشيات حفتر وخطفها، ومايزال مصيرها مجهولا حتى الآن، رغم تأكيدات غير رسمية تفيد بمقتلها.

 الحادثة الأخرى هي خطف وسجن فرج قعيم القيادي البارز الآن في حراسات حفتر، بعد ظهوره هو أيضا في التلفزيون وتصريحاته القوية عن سعي حفتر لاغتياله، داعيا عشيرته إلى (دق الطبل)، في اشارة الى الاستعداد لمواجهة مسلحة مع قوات حفتر، فتم خطفه واخفاءه، وبعد عدة شهور في سجون حفتر أطلق سراحه، ليصبح الحارس الشخصي لحفتر. هذا الانقلاب الحاد في مواقف قعيم، يقدم لنا فكرة شاملة عما جرى له في سجون حفتر

 أي المصيرين أقرب في حالة النائب الدرسي؟ يصعب الجزم بشكل قاطع ونهائي، ولكن الأرجح هو ظهوره بعد حين، وعودته إلى استئناف حياته مثلما كانت قبل تمرده المؤقت في اللحظة التي جاهر فيها بالحقيقة، أي بعد إعادة تأهيله للإيمان بالحقيقةالمكرسة بالقوة والقمع، حول سلطة حفتر وعائلته وعشيرته الأقربون، وضمان عدم خروجه عنها مرة أخرى.

_____________

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *