محمد أبوالفضل

لم ينتبه كثير من المصريين إلى وجود نشاط كبير للاستثمارات المصرية فى ليبيا وربما لم ينتبه هؤلاء إلى أن هذه الحركة أخذت أبعادا غير مقصورة على الشرق الليبى، وامتدت إلى غربه وبدأت تنتشر بكثافة فى العاصمة طرابلس وتصل إلى مرافق حيوية، وهناك حزمة مشروعات يتم تشييدها عبر شركات وطنية بالتعاون مع جهات ليبية مختلفة، على غرار النموذج التنموى فى مصر.

يخرج الجيل الجديد من الاستثمارات المصرية من عنق تصدير مئات الآلاف من العمالة إلى ليبيا التى كانت تتحكم فى شكل العلاقات بين البلدين لفترة طويلة، فإن شهدت تحسنا وانفرجت وانتعشت زاد عدد الوافدين المصريين، وإن غضبت القيادة فى طرابلس هددت بترحيلهم أو طردهم، وخضعت هذه المسألة لطبيعة المزاج السياسى فى عهد القذافى.

ما يجرى على الأرض حاليا تخطى هذا البعد المتقلب، حيث تنتقل العلاقة من الخانة المزاجية إلى الاستثمارات وما تفرضه من تعقل، وما تنطوى عليه من مصالح اقتصادية متشابكة، لا علاقة لها بشكل وانتماء المسئول فى ليبيا، وتفضى فى محصلتها إلى زيادة أوجه التعاون فى مشروعات ذات عوائد ومنافع للطرفين، مستفيدة من الجغرافيا السياسية التى تخدم الأهداف الحيوية للبلدين، والتى حاولت بعض الجهات تغييبها أو تقويضها مع احتدام الأزمة الليبية.

تشير الأدوات المصرية إلى قدرة على التعامل مع الأمر الواقع، وعدم الرضوخ لحسابات الأزمة التى قد يراها البعض طاردة ومقيدة للاقتصاد،

لكن هناك نوافذ وأبوابا يمكن الدخول منها لتعظيم المصالح، وما فعلته القاهرة يحوى رسالة دالة على القدرة الجيدة للاستثمار فى الفرص الراهنة داخل ليبيا، والانفتاح على جميع الأطراف، وستكون لذلك تأثيرات عندما يحين وقت الجلوس حول طاولة سياسية لتفكيك ما تبقى من تعقيدات حالت دون الوصول إلى صيغة منتجة للتسوية.

كان يمكن أن تقف مصر مكتوفة الأيدى وتراقب المشهد من بعيد أو قريب إلى حين تنضج الأجواء أمام الحل، وتتفق القوى الإقليمية والدولية على تفاهمات محددة، لكن ما يحدث هو أحد إبداعات العقل المصرى الجديد الذى وجد فى الاستثمارات وسيلة لا تختلف كثيرا عن الدبلوماسية، وسوف تضيف للثانية عندما تصل القوى المتخاصمة إلى تخفيض منسوب صراعاتها وتقبل بعملية تفاوضية تؤدى إلى إجراء انتخابات واختيار قيادة وطنية بإرادة حرة من الشعب الليبى.

بدأ كثير من الليبيين يلمسون مشاهد عملية وجذابة للوجود المصرى, فالكبارى والمحاور والطرق البرية وشبكات الكهرباء المتعددة تقف شاهدة على التغييرات التى حدثت فى آليات التعامل المصرى مع ليبيا، كما أن انتشارها لا يقتصر على منطقة معينة، ما يخرجها من نطاق الاتهام بالتحيز إلى طرف على حساب آخر.

قد يستمر الانسداد السياسى إلى نهاية العام الحالى ليتسنى التوصل لتفاهمات فى الداخل والخارج، تقود إلى تغيير حقيقى فى المعادلة التى تسببت فى وضع عراقيل عديدة أمام تحركات قطعت شوطا إيجابيا لحل بعض المشكلات الدستورية والعسكرية والاقتصادية.

ولعبت مصر فيها دورا مهما خلال الفترة الماضية، بالتنسيق مع قوى دولية منخرطة فى الأزمة الليبية بدرجات متفاوتة، ومنها من أسهم بدور مُعتبر فى رفع مستوى الاستقطاب السياسى والأمنى حتى لا تبارح الأزمة مكانها.

قدّم مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا عبدالله باتيلى استقالته أخيرا، وتحاول نائبته الأمريكية استيفانى خورى ملء الفراغ الذى تركه الرجل، ما يعنى ضمنيا العودة لمرحلة المستشارة الأمريكية السابقة استيفانى وليامز وما انطوت عليه من مراوغات سياسية مع القوى الليبية ومناورات مع قوى خارجية.

تصاعدت حرب المصطلحات بين تغيير حكومة عبدالحميد الدبيبة، المنتهية ولايتها، وبين تعديلها، وانهمكت قوى غربية فى تضخيم الوجود العسكرى الروسى والإيحاء بأن هناك تطورات تحت مسمى تشكيل ما يسمى «الفيلق الروسى»، بينما لا يأتى هؤلاء على ذكر القوات الأمريكية والبريطانية والإيطالية، وجيوش طويلة من المرتزقة والجماعات المسلحة فى مناطق متباينة، جعلت طريق التسوية السياسية مليئة بالمطبات، ويحتاج التخلص منها إلى إرادة قوية من المجتمع الدولى، ويقين من عناصره الفاعلة بأن استمرار الأزمة الليبية يؤدى لمزيد من التعايش معها.

تشعر قوى متعددة بأن هناك من يريدون الوصول إلى هذه النقطة وترسيخها فى الوجدان العام، ما يجبر الدول التى لها مصالح والمعنية بما يدور فى ليبيا على التكيف أيضا مع الأزمة وما أوجدته من روافد أمنية وسياسية متشعبة.

وهو ما لفظته مصر عبر اللجوء إلى طرح خطط اقتصادية لا تنحصر فى منطقة واحدة داخل ليبيا، إلى حين أن يتم العثور على خريطة تسمح بإعادة ضبط الأوضاع السياسية بالشكل الذى يؤدى إلى إنهاء الأزمة، وانتخاب قيادة وطنية قادرة على التعامل مع التطورات، ووقتها سوف يكون لدى القاهرة رصيد اقتصادى كبير تستطيع زيادته مع تعميم الهدوء والأمن والاستقرار فى ليبيا، وبالتالى استثماره فى دعم رؤيتها السياسية.

___________________

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *