بالتزامن مع انهيار النفوذ الغربي عموما في القارة السمراء، بدأت روسيا تدشين فيلق إفريقيلخدمة مصالحها، استدعى قلق واشنطن وحلفائها مع تكهنات بتشكيل قوة مماثلة لمواجهته.

وبحسب ما قالت صحيفة فيدوموستيالروسية في ديسمبر/كانون الأول 2023، بدأت موسكو تشكيل الفيلق الإفريقيليحل محل قوات مرتزقة فاغنر، وسيكتمل هيكله بحلول صيف 2024، وينشط في ليبيا وبوركينا فاسو ومالي وجمهورية إفريقيا الوسطى والنيجر.

أكدت أن الهيكل الجديد سيكون تابعا مباشرة للإدارة العسكرية الروسية، وسيشرف عليه نائب وزير الدفاع العقيد جنرال يونس بك يفكوروف.

صراع نفوذ

وشهد الوجود الروسي في ليبيا، والذي كان ملموسا منذ عام 2019 على شكل وحدات شبه عسكرية (فاغنر سابقا)، تسارعا مفاجئا منذ بداية عام 2024، ما أزعج الغربيين العاجزين، حسبما أوضح تقرير لصحيفة لوموندالفرنسية 10 مايو/أيار 2024. وأزعج صعود القوة الروسية في ليبيا، تلك الدولة المحورية بشمال إفريقيا، ملتقى المشرق والمغرب العربيالغرب بشدة، حسبما نقلت صحيفة لوموندعن مصادر دبلوماسية غربية.

دبلوماسي أوروبي قال للصحيفة: إن الزيادة تتعلق بالمعدات أكثر من الرجال، وهذه التحركات الأخيرة في ليبيا، جزء من اختراق روسي عالمي يهدف إلى تثبيت حكومات موالية لموسكو في جميع أنحاء شرق وغرب إفريقيا“. لفت إلى أنه بقي أن يمتد النفوذ الروسي إلى تشاد لتقسيم إفريقيا إلى قسمين وأنها دولة ترغب روسيا بشدة في ضمها لمعسكرها.

وترى لوموندأن ليبيا حاسمة في هذا الهجوم الإفريقي لروسيا، لأنها تعمل كمنصة لإرسال المعدات والرجال نحو الدول المجاورة كالسودان والنيجر ومالي وبوركينا فاسو، وهي دول تقودها مجالس عسكرية مقربة من الكرملين.

أيضا أكدت مذكرة نشرتها منظمة All Eyes on Wagner، وهي مشروع يركز على أنشطة مرتزقة فاغنر، في 10 مايو/أيار 2024 أن روسيا تعمل على نقل جنود ومقاتلين روس إلى ليبيا منذ ثلاثة أشهر“. هذه المنظمة الدولية، التي تحقق في الشبكات الروسية بإفريقيا، كشفت أن تسليم المعدات والمركبات العسكرية من سوريا إلى ليبيا يشكل الجانب الأكثر وضوحا لهذا التدخل المتزايد“.

وقد رصدت هذه المنظمة انتشار 1800 روسي حتى الآن في جميع أنحاء ليبيا، مشيرة إلى أن سفينتين تابعتين للبحرية الروسية غادرتا قاعدة طرطوس البحرية السورية، ووصلتا إلى ميناء طبرق الليبي التابع للمتمرد خليفة حفتر في 8 أبريل 2024. وتقع الجفرة، وهي منطقة ليبية على بعد 350 كيلومترا جنوبي خليج سرت، في صلب هذه الإستراتيجية لهذا النظام الجديد، حيث تصل المعدات والرجال من طبرق، قبل إعادة توجيههم إلى المسارح الإقليمية التي تطمع فيها موسكو.

فريق المحققين بـ ” All Eyes on Wagner” أكد أنه جرى تفريغ مركبات وأسلحة، مثل مدافع الهاون 2S12 ساني، ومركبات النقل المدرعة BTR وBMB، وأن هذه خامس عملية تسليم للسلاح الروسي في ليبيا خلال 45 يوما، ضمن الفيلق الإفريقي الروسي.

تورط مباشر

وقد أوضح جلال حرشاوي، الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة لدراسات الدفاع والأمن لصحيفة لوموندأن روسيا لم تعد تخفي تورطها المباشر في ليبيا، خلافا لما كان عليه الحال عندما دخلت مليشيات فاغنر الروسية ليبيا عام 2019.

ففي عام 2019 دخل مرتزقة فاغنر لدعم قوات المتمرد خليفة حفتر في برقة، خلال هجومه الفاشل على طرابلس. وأنكرت موسكو رسميا حينها هذا الدعم لكنها اليوم لا تخفي شيئافقد أجرى نائب وزير الدفاع الروسي يونس بك إيفكوروف أربع زيارات إلى بنغازي، القاعدة السياسية والعسكرية لخليفة حفتر، منذ أغسطس/آب 2023. وأجرى حفتر، الذي أسس سلطة في برقة موازية للحكومة المعترف بها دوليا في طرابلس، زيارة إلى موسكو في نهاية سبتمبر/أيلول 2023 والتقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

ومنذ ذلك الحين، أصبح الوجود الروسي أكثر وضوحا، حيث استحوذت وزارة الدفاع في موسكو على الفرع الإفريقي لمجموعة المرتزقة الروسية فاغنر، والتي جرى قطع رأسها بعد مقتل زعيمها يفغيني بريغوجين في أغسطس 2023.

وتقول لوموندإنه في مواجهة التقدم الروسي في ليبيا، دق ناقوس الخطر في الدول الغربية التي تسعى عبثا للرد، وباتت الولايات المتحدة وأوروبا تواجهان تحديين بسبب خطر انتشار نفوذ موسكو إلى الأطراف الإقليمية“. 

الأولالتحدي المتمثل في تجذر الوجود العسكري الروسي في شكل قاعدة بحرية في طبرق أو سرت، الأمر الذي من شأنه أن يشكل تهديدا مباشرا لقوات حلف شمال الأطلسي الناتوفي البحر الأبيض المتوسطوكان مشروع القاعدة الروسية في سرتفكرة قديمة فشلت موسكو في فرضها على رئيس النظام الليبي السابق معمر القذافي في الأعوام 2009-2010، لكن المدينة أصبحت اليوم تحت سيطرة حفتر، الذي تنشط تحت مظلته القوات الروسية وتدعم قواته.

أما التحدي الثاني كما توضح لوموند، فهو أنه إلى جانب نفوذها العسكري في برقة (طبرق وسرت) وجنوب فزان، تشارك موسكو في نشاط دبلوماسي في طرابلس أيضا لثنيها عن قبول التعاون مع أميركا.

فيلق منافس

موقع ليبيا برسنقل في 3 مايو 2024 عن مصادر ليبية أنه يجرى بإشراف أميركي أوروبي ودعم مالي ليبي تشكيل الفيلق الأميركي الجديد لمواجهة الفيلق الروسي في ليبيا“. أكد أن الفيلق الجديد سيتكون من عناصر مسلحة ليبية خالصة على أن توكل مهمة قيادته والإشراف عليه لعناصر عسكرية أجنبية“. وأوضح أنه سيتكون من 6 تشكيلات مسلحة تابعة لداخلية ودفاع حكومة عبد الحميد الدبيبة أبرزها اللواء 444 قتال.

والمهمة الأساسية لهذا الفيلق الليبي الأميركي الأوروبي هو مواجهة المد الروسي في ليبيا وإفريقيا نيابة عن الدول الغربيةوأشار إلى تخصيص ميزانية خاصة لهذا الفيلق من الأموال الليبية المُجمدة بالخارج وفق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 لسنة 2011.

ما رجح الأنباء بشأن المساعي الأميركية الأوروبية أن العميد محمود حمزة آمر اللواء 444 قتال، شارك في مؤتمر مديري استخبارات الدول الإفريقية وأميركا في تنزانيا يوم 9 مايو/أيار 2024. وهو المؤتمر الذي ضم 33 دولة إفريقية، واشترك فيه المندوب العسكري الليبي بصفته مديرا للاستخبارات العسكرية، وانخرط في لقاءات مع المسؤولين الأميركيين فيه.

المصادر اللبيبة أكدت أن حمزةشارك بصفته مكلفا من رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة في مؤتمر مديري الاستخبارات للدول الإفريقية وأميركا في تنزانياوأنه التقى مديري الاستخبارات بالقيادة المركزية بالجيش الأميركية أفريكوملمناقشة فكرة الفيلق الليبي الأميركي الأوروبي، رغم نفي مصادر ليبية أخرى ذلكويعد حمزة أحد أبرز المقربين من الدبيبة، والتحق بقوات الردع، وعمل ناطقا باسمها، وقاد فترة عملياتها الأمنية لكنه سرعان ما أسس كتيبة منفصلة تحمل اسم “20 – 20” في معيتيقة بعد انفصاله عن الأولى.

تدريبات جديدة

عزز تلك الأنباء أيضا، تأكيد موقع إفريقيا إنتليجنس” 9 أبريل/نيسان 2024 أن شركة Amentum الأميركية تعمل على تدريب جماعات مسلحة في طرابلس ضمن إستراتيجيتها الأمنية في ليبياووصل عناصر من شركة “Amentum” للمقاولات العسكرية الأميركية (مقرها فيرجينيا) إلى ليبيا بموجب اتفاق مع الدبيبة، لتوفير التدريب لعدة مجموعات مسلحة في العاصمة طرابلس، وفق الموقع الاستخباري.

إفريقيا انتليجنسأشار إلى أن المقاولين العسكريين الأميركيين سيدربون عناصر من 3 ألوية مسلحة محددة هي اللواء 444 بقيادة محمود حمزة، واللواء 111 بقيادة عبد السلام الزوبي، واللواء 166 بقيادة محمد الحصان“. لكن موقع لوموند الفرنسي، قال إنه يجرى تنسيق جهود التدريب بين “Amentum” ووزارة الخارجية الأميركية بهدف توحيد هذه الفصائل المسلحة المختلفة وتكليفها بتأمين الحدود وبعمليات نزع السلاح، ولا يتم تنفيذ هذا العمل تحت رعاية أفريكوم“.

لكنه أشار إلى أن دعم الولايات المتحدة لهذه الجماعات المسلحة الليبية يمكن أن يوفر شريان حياة سياسيا للدبيبة، الذي يواجه دعوات من العديد من السياسيين الليبيين للتنحي وإفساح المجال أمام حكومة جديدة“. وعقب أنباء وصول مقاولي هذه الشركة العسكرية الهندسية الأميركية لليبيا، ذكر موقع المنشر” 15 أبريل/نيسان 2024 نقلا عن مصادر ليبية أن الجيش الأميركي يستعد لإنشاء قاعدة عسكرية جوية لـأفريكومبليبيا.

وذكرت المصادر أن الدبيبة منح قطعة أرض من أراضي كلية الطيران في مصراتة لصالح القوات الأميركية من أجل إنشاء القاعدة العسكرية الجوية، ضمن محاولاته البقاء في الحكم، وتوثيق علاقاته بواشنطنوانتقدت لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب الليبي، المختلف مع الدبيبة، قرار تخصيص الأرض في مصراتة لصالح القوات الأجنبية، ودعت حكومة طرابلس لإلغائه.

بدوره، أبدى رئيس حزب الائتلاف الجمهوريالليبي، والمحلل السياسي، عز الدين عقيل خشيته من أن ليبيا مُعرضة بالفعل لخطر لأن تكون ساحة لتصفية الحسابات بين القوى العظمى“. قال في تصريحات صحفية 5 مايو 2024 إن هناك رغبة من الدول الغربية في التدخل لمواجهة النفوذ الروسي في ليبيا، لكنهم سيجدون معضلة في التعامل مع المليشيات بالمنطقة الغربيةورجح أنه لن يبقى من العناصر المسلحة في ليبيا إلا تلك التي ستكون قادرة على التماشي مع المصالح الغربية.

___________________

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *