الحبيب الاسود

الدينار الليبي يسجل انخفاضا مجددا في السوق الموازية أمام سلة العملات الأجنبية. وصراع مفتوح يهدد التوازنات المالية والاقتصادية في ليبيا.

 يستمر الصراع الصامت والذي بلغ مرحلة ليّ الذراع بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها، عبدالحميد الدبيبة ومحافظ مصرف ليبيا المركزي الصديق الكبير، لينعكس سلبا على الوضع المالي العام في البلاد، في ما سجل الدينار الليبي انخفاضا مجددا في السوق الموازية أمام سلة العملات الأجنبية، مقابل ارتفاع سعر صرف الدولار فوق حاجز الـ6 دنانير مسجلا 6.125 مقابل الدولار الواحد.

ويخشى المهتمون بالشأن المالي في ليبيا أن تدفع البلاد ثمن الصراع القائم بين الدبيبة والكبير، والذي بات يثير جدلا واسعا في الأوساط الليبية المتخصصة، لاسيما وأن الرجلين كانا متعاونين إلى أقصى الحدود تحت غطاء التحالفات المشتركة مع الأطراف الإقليمية والدولية المتداخلة في الشأن الليبي.

وكان عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق مراجع غيث دعا الأسبوع الماضي إلى تصحيح وضع المصرف الحالي عبر تشكيل مجلس إدارة جديد، وقال إن 80 في المئة من قرارات المصرف تتخذ من مجلس الإدارة، مشيرا إلى اتخاذ قرار سابق بخفض سعر الدولار إلى 4.26 دنانير.

وتابع غيث أن “المحافظ الصديق الكبير رفض تنفيذ القرار المذكور بشأن خفض سعر الدولار مقابل الدينار”، معتبرا أن الارتفاع الذي حدث مؤخرا يعود إلى عدة أسباب، من بينها عدم اتباع المركزي لسياسة والإفصاح والشفافية، مردفا أن سياسة عدم الإفصاح واستمرار الصمت من المصرف المركزي سيؤدي إلى ارتفاع سعر الدولار إلى رقم فلكي.

وأوضحت أوساط ليبية أن المواجهة المفتوحة بين الدبيبة والكبير باتت تهدد التوازنات المالية والاقتصادية في البلاد، لاسيما أنها تحمل في طياتها صراعا على مقاليد المؤسسة الوطنية للنفط، وهو ما أشار إلية موقع “أفريكا إنتلجنس” الفرنسي عندما كشف أن محافظ مصرف ليبيا المركزي يخوض معارك للسيطرة على واردات النفط الليبي، ويشن حربا سرية ضد رئيس الحكومة المنتهية ولايتها عبدالحميد الدبيبة الذي يحمي حليفه رئيس المؤسسة الوطنية للنفط فرحات بن قدارة ويضعه في مخاطر وذلك للسيطرة على عائدات النفط في البلاد.

ومما أكد على طبيعة المواجهة، أن الكبير أوقف تمويل الإنفاق العام لحكومة الدبيبة، وقد تزامن ذلك مع تلقيه طلبا من رئيس مجلس النواب عقيلة صالح بوقف صرف أو توزيع أي مبالغ من الباب الثالث (التنمية) إلا بموافقة لجنة التخطيط والمالية والموازنة العامة بالبرلمان.

كما راجت بين المقربين منه معلومات عن استعداده للكشف عن قضية فساد من الحجم الثقيل تتعلق بنهب حوالي 5 مليارات دولار من إيرادات النفط والوقود المكرر، ودعوته إلى التوقف عن إهدار المال العام بعد أن وصل الدين العام إلى 200 مليار دينار ليبي (حوالي 42 مليار دولار) والاكتفاء بالباب الأول والثاني.

إلى جانب ذلك، رفض الكبير دفع عقود لإبراهيم الدبيبة، المستشار السياسي لرئيس الحكومة، وقريبه، والرجل القوي في طرابلس، واشترط عزله من منصبه واستبعاده من مراكز القرار لاستئناف تمويل الحكومة، كما اشترط على الحكومة تخفيض مصروفاتها خاصة في بند التسيير والدعم ورفع الدعم على المحروقات بشكل تدريجي.

وفي رد فعل قوي، أعطى الدبيبة، الاثنين، تعليماته بسحب تراخيص شركة “أويا” للطيران، المملوكة لرجل الأعمال الكبير في مصراتة و المعروف بلقب “ملك الاعتمادات” محمد الطاهر عيسى الذي كان قريبا منه، ومرافقا له في أغلب رحلاته إلى الخارج، عندما كانت العلاقات جيدة بين رئيس الحكومة ومحافظ المصرف المركزي، ومع اتساع رقعة الخلاف بين الرجلين، اختار عيسى الانحياز إلى الكبير، وبدأ في معركة شرسة للإطاحة بالدبيبة واستبدال حكومته بحكومة جديدة، يقودها مدير شركة الكهرباء السابق علي ساسي المنحدر بدوره من مدينة مصراتة.

ويشمل الصراع بين الدبيبة والكبير طرفا ثالثا وهو رئيس مؤسسة النفط فرحات بن قدارة الذي تم تعيينه في منصبه في يوليو 2022 باتفاق بين الدبيبة والقائد العام للجيش الوطني الجنرال خليفة حفتر بعد الإطاحة بمصطفى صنع الله.

وبحسب مصادر مطلعة، فإن بن قدارة نجح في ابتكار صيغة لمواجهة إقدام الكبير على وقف سداد مدفوعات مؤسسة النفط، وذلك بإنشاء نظام مقايضة.

كما نجح بن قدارة في الاحتفاظ بجزء من إيرادات بيع النفط في حساب المصرف الليبي الخارجي ما أغضب الكبير، وزاد من توتير الوضع بين الرجلين اللذين يتصدران المشهد المالي والاقتصادي ويمتلكان مفاتيح الثروة في البلاد.

ومما فاقم الأزمة، الإعلان مؤخرا عن توصل صدام حفتر نيابة عن والده، وإبراهيم الدبيبة نيابة عن عبدالحميد الدبيبة، إلى اتفاق للإطاحة بالصديق الكبير من منصب محافظ مصرف ليبيا المركزي، وهو ما رأى فيه المراقبون إعادة لسيناريو الإطاحة بصنع الله من رئاسة المؤسسة الوطنية للنفط واستبداله ببن قدارة.

وراجت من خلف الكواليس مؤشرات عن اتجاه حفتر والدبيبة إلى نقل بن قدارة من المؤسسة الوطنية للنفط إلى منصب محافظ مصرف ليبيا المركزي، وهو الذي كان قد شغل هذا المنصب  منذ 2006 حتى أحداث 17 فبراير 2011 قبل أن يسافر إلى إسطنبول، كما شغل منصب نائب رئيس المجموعة المصرفية الإيطالية Uni-Credit من مارس 2008 إلى مايو 2011، ثم عاد  سرّا إلى المشهد الليبي للعمل كمستشار لرئيس الوزراء الأسبق عبدالله الثني، كما أقام في دبي حيث أصبح رئيسا للبنك العربي للاستثمار والتجارة الخارجية، وهو بنك استثماري مملوك لهيئة الإمارات للاستثمار والمصرف الليبي الخارجي والبنك الخارجي الجزائري.

ويسعى بن قدارة لاستعادة منصبه كمحافظ لمصرف ليبيا المركزي من الصديق الكبير الذي شغله منذ 2011، وهو ما يبدو أنه سيتحقق خلال الفترة القادمة، لكن أغلب المراقبين يجمعون على أن الكبير يحظى بدعم واسع من قوى دولية مؤثرة في المشهد الليبي من بينها الولايات المتحدة وتركيا، وأن أي محاولة للإطاحة به قد تطيح بصاحبها أولا.

ويرى المراقبون أن الكبير أصبح يلتقي في فرصة نادرة مع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح العربعلى ضرورة الإطاحة بحكومة الوحدة الوطنية ورئيسها الدبيبة الذي يسعى بدوره لعقد صفقة مع الجنرال حفتر للإطاحة بمحافظ مصرف ليبيا المركزي واستبداله برئيس المؤسسة الوطنية للنفط.

_______________

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *