أنس الغرياني

في آذار/ مارس 2021، عندما انتشرت أنباء عن تعيين الدبيبة، خمس وزيرات، كنت سعيداً في البداية، كون تمثيل المرأة في مناصب السلطة مشهداً نادراً في ليبيا، على الرغم من أن عدد الوزيرات المعيّنات كان أقل من العدد المنصوص عليه في اتفاقية ملتقى الحوار السياسي الليبي.

ومع ذلك، عند النظر في الأمر ومع النكسات التي شهدناها في حقوق المرأة على مدى العامين الماضيين، تتكشف حقيقة مقلقة؛ فما يبدو أنها خطوة نسوية اتخذتها الدولة على السطح، هي في الواقع حيلة إستراتيجية من قبل الحكومة لمواصلة ممارستها التمييزية ضد المرأة.

وزيرة المرأة، انتصار عبود، (التي من واجبها تمكين المرأة)، أيّدت مؤخراً قيود السفر المفروضة على النساء المسافرات من غير محرم.

 التمثيل لا يعني التحرر

قد نرى بتفاؤل أن تعيينات النساء هذه خطوة تقدمية، على الرغم من أن هذا ليس هو الحال بالضرورة. عندما تعيّن الحكومات الاستبدادية النساء، فإنها لا تحرر النساء ككل، بل تقوم ببساطة باستيعاب قلة مختارة من النساء في الطبقة الحاكمة.

من السذاجة الافتراض أن السياسي سيخدم مصالح فئة معيّنة لمجرد أنها تنتمي إليه. غالباً ما يعطي السياسيون الأولوية لمصالحهم الشخصية، لا سيما في الأنظمة غير الديمقراطية حيث نادراً ما تتم محاسبتهم.

وكان من بين الوزيرات المعيّنات، وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش، وهي المرأة الوحيدة التي أوكل إليها منصب سيادي، بينما تولت باقي الوزيرات وزارات مثل وزارة الثقافة والمرأة وغيرهما.

في آب/ أغسطس 2023، تورطت نجلاء المنقوش في فضيحة لقاءات سرية عقدتها مع وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين، ما أثار غضب الليبيين في جميع أنحاء البلاد، وكان ذلك بعد أسابيع قليلة فقط من قيامها بزيارة دبلوماسية إلى دولة قمعية أخرى، هي إيران، مرتديةً الحجاب الذي عادةً لا ترتديه.

وقبل عام، هددت باتخاذ إجراءات قانونية ضد منظمة دولية لفضحها انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها الحكومة، متهمةً إياها بالكذب. ولم تحرز أيضاً وزيرة الثقافة مبروكة توقي، التي سبق أن تم اعتقالها بتهم فساد، تقدّماً بالنسبة إلى النساء.

ففي أيار/ مايو 2022، قامت بسحب تهنئة الوزارة لحصول رواية الخبز على طاولة الخال ميلاد، على جائزة عالمية، وذلك لتناول الرواية القضايا الجندرية.

وفي تموز/ يوليو 2023، أصدرت مبروكة توقي قراراً بتعيين أعضاء من جهاز الأمن الداخلي وقوات دعم الاستقرار لمراقبة الكتب والمطابع، بالرغم من اتّهامهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية من قبل منظمة العفو الدولية.

أما وزيرة المرأة، انتصار عبود، التي من واجبها تمكين المرأة، فقد أيّدت مؤخراً قيود السفر المفروضة على النساء المسافرات من غير محرم، مشيرةً إلى أنها خطوة مهمة لتجنّب التجاوزات الأخيرة“.

ولكن لماذا؟

يُعزى تبنّي الحكومة الليبية لواجهة نسوية إلى الرغبة في تحسين صورتها الدولية. فمن خلال تقديم نفسها كدولة تحترم حقوق الإنسان، تسعى الحكومة إلى كسب تأييد دبلوماسي واقتصادي من المجتمع الدولي. يفسر هذا اختيار الدبيبة منح منصب سيادي واحد فقط لامرأة، هو منصب وزيرة الخارجية.

تؤخذ حقوق الإنسان في الاعتبار في السياسات الخارجية للمجتمع الدولي، فلذلك إبراز قشرة من التقدم من الممكن أن يؤدي إلى فوائد مثل زيادة المساعدات الخارجية وتوطيد العلاقات.

على سبيل المثال، يُعدّ تجديد الحكومة لكنيسة مريم العذراء في طرابلس وإعادة افتتاحها، وسيلةً لتعزيز صورتها لدى السلطات الإيطالية والمالطية، بينما في الداخل، تغضّ الدولة البصر عن اعتقال الأجهزة الأمنية للمدنيين بتهمة اعتناقهم المسيحية.

إذا تبنّت ليبيا ممارساتها التمييزية علناً، فإن العواقب يمكن أن تكون كبيرةً، وقد تتلقى ردّ فعل دولياً وتغطيةً إعلاميةً سلبيةً وحتى عواقب اقتصادية. على سبيل المثال، بعد أن أصدرت أوغندا قانوناً تمييزياً ضد المثليين، قامت النرويج والدنمارك والولايات المتحدة بقطع المساعدات عنها. ويُذكر هنا أن ليبيا تلقت أكثر من 900 مليون دولار كمساعدات من الولايات المتحدة منذ عام 2011.

ولهذه الواجهة فوائد ليس على المستوى الدولي فحسب، بل على الصعيد المحلي أيضاً. فوهم التقدم في حقوق المرأة قد يخدع الليبيين ليعتقدوا أن ظروف المرأة تتحسن بالفعل، مما يؤدي إلى الشعور بالرضا وانخفاض الحافز لتشكيل حراكات نسوية. بل إنها قد تمكّن مناهضي النسوية، الذين يشيرون في كثير من الأحيان إلى النساء في مناصب السلطة كدليل على تمتع المرأة بحقوقها.

يمكننا القول إن الدولة الليبية تقوم أو على الأقل تحاول احتكار الحركة النسوية نفسها. يظهر هذا في تشكيلها للعديد من الهيئات ووحدات تمكين المرأة في شتى الأجسام الحكومية (تحرز تقدماً ضئيلاً)، فقد أصبحت الدولة الآن هي الوجه العام للحركة النسوية ولهذا فائدة إستراتيجية إذ يمكن للحكومة الآن السيطرة على مطالب الحراك وتنظيمه وقياداته.

أحد هذه الأجسام هو المجلس القومي للمرأة الليبية الذي التقى مؤخراً برئيس جهاز الأمن الداخلي لطفي الحراري، الذي أدانته منظمة العفو الدولية بسبب انتهاكاته لحقوق الإنسان. وناقش ممثلو المجلس في اجتماعهم قيود السفر على النساء، وقدموا في بيان اجتماعهم شكرهم لجهاز الأمن الداخلي على جهوده.

إن احتكار الدولة للحركة النسوية، إلى جانب حملة القمع التي تشنها على المجتمع المدني، يعنيان أنه لا توجد حركة نسوية تستحق الذكر في ليبيا، وهي في مرحلة بدائية وتتكون من أفراد مجزئين وبعض المنظمات التي تخجل حتى من استخدام مصطلح النسويةلأسباب أمنية.

من هؤلاء الأشخاص الذين يساهمون في قمع المجتمع المدني، امرأة هي رئيسة مفوضية المجتمع المدني في طرابلس، اسمها انتصار القليب، وتدعو باستمرار إلى فرض لوائح وقيود أكثر صرامةً على منظمات المجتمع المدني، ووصفت بعضها بأنها غير أخلاقية. وفي إحدى المرات دعت انتصار القليب وزارة الاتصالات إلى تشديد مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي وحظر اليوتيوب والتيك توك.

المرأة والكوتات

يتم تمثيل المرأة في كثير من الأحيان من خلال الكوتات (الحصص). فمثلاً يخصص مجلس النواب 16% من مقاعده للنساء، وتعني هذه الحصة المنخفضة أنه لم يتم إحراز تقدّم يُذكر في ما يتعلق بإصدار تشريعات تعزز المرأة وتحمي حقوقها.

في تموز/ يوليو 2022، خلال أسبوع عيد الأضحى وحده، قُتلت ست نساء على أيدي أقاربهن الذكور في مدن مختلفة، وأصدر بعدها المجلس البرلماني لشؤون المرأة والطفل بياناً وعد فيه بصياغة قانون لمكافحة العنف ضد المرأة بشكل عاجل، ومع ذلك لم يتم الوفاء بهذا الوعد.

في الواقع، تمت صياغة مشروع قانون لمكافحة العنف ضد المرأة منذ عام 2021، من قبل خبراء وقضاة وناشطين؛ إلا أنه لم يتم اعتماده من قبل مجلس النواب حتى يومنا هذا، ربما لكونه أكثر اهتماماً بإصدار قوانين تكافح الشعوذة.

عدم اهتمام البرلمان بتشريع قوانين تعزز حقوق المرأة، إلى جانب ضعف الضمانات الدستورية، يعنيان أنه لم يتم إحراز تقدّم يُذكر في حقوق المرأة من الجانب التشريعي.

دور المرأة في الخلفية

قبل بضعة أشهر، وفي أثناء مشاهدة بث لاحتفال الحكومة باليوم الوطني للمرأة الليبية، لفت انتباهي أن الصفوف الأولى كانت غالبيتها من الرجال. وجدت أن هذا يعكس تماماً الطريقة التي يتم بها تمثيل المرأة في السياسة الليبية.

في الحقيقة، حتى مع التمثيل الضئيل الذي تتمتع به المرأة في الأجسام الحكومية، غالباً ما يرتبط دورها بالخلفية من دون مشاركة مجدية، ويندر تمثيل المرأة بشكل خاص في الأجسام السيادية أو المؤثرة.

على سبيل المثال، مجلس صياغة الدستور الذي تم تشكيله في عام 2014، فيه 6 نساء فقط من أصل 60 عضواً. وفي آذار/ مارس 2023، لم تضمّ لجنة 6+6 التي شكلها المجلس الأعلى للدولة ومجلس النواب أي امرأة، واللجنة تلعب دوراً محورياً في المشهد السياسي الحالي.

هذه الفكرة الأبوية أي أن المرأة لا يجب أن تكون في المقدمةيتم تكريسها حتى من خلال سياسات الحكومة التي يُدّعى أنها لتمكين المرأة، مثل صندوق الزواج ومنحة الزوجةإلخ، بدلاً من تمكين المرأة بشكل مستدام لدمجها في المجتمع كعضوة فعالة ومستقلة من خلال رفع فرصها التعليمية والوظيفية.

سياق أوسع وأكثر تعقيداً

الانقسام السياسي والإداري التي يعمّ شبه الدولة الليبية، يعني أنها تفتقر إلى اتجاه موحد في قضايا عدة، فمثلاً في حين يعيّن القضاء 1،413 امرأةً قاضيةً، تتخذ الأجسام التشريعية والتنفيذية قرارات تعامل المرأة كمواطنة من الدرجة الثانية. وينتج عن ذلك تناقض إذ يجوز للمرأة الآن أن تصبح قاضيةً وتحكم على مواطنين آخرين، في حين أنها في الوقت نفسه لا تملك الوصاية على أطفالها ولا حق لها في السفر إلى الخارج من دون ذكر.

وتعكس هذه التطورات العشوائية عموماً الأسئلة الوجودية التي تتعامل معها ليبيا حالياً: هي دولة علمانية أم إسلامية؟ ديمقراطية أم دكتاتورية؟ مركزية أم فدرالية؟ وما إلى ذلك.

نظرة إيجابية

وعلى الرغم من أوجه القصور والخلافات المحيطة بنساء السلطة في ليبيا، فإن وجودهن قد يقدّم بصيصاً من الأمل. ففي مجتمع يستضعف المرأة وترتفع فيه معدلات البطالة، ظهور النساء المؤثرات سواء جيدات كنّ أو سيئاتقد يقدم النساء والفتيات كأمثلة لما يمكن أن تحققه المرأة.

رؤية الفتيات الصغيرات لنساء في مناصب قيادية قد تلهمهن للتطلع إلى أدوار قيادية بأنفسهن وتطبع عموماً في المجتمع الليبي فكرة أن المرأة أيضاً يمكنها أن تصبح قائدةً.

من المهم أيضاً الاعتراف بأنه ليست كل النساء في الحكومة سيئات، وبعضهن لديهن نوايا نبيلة حقاً وقد يحرزن تقدماً في حقوق المرأة حتى وإن كان صغيراً، وهو أمر قد يُتفهم نظراً إلى القيود التي يواجهنها في البيئة السياسية الليبية.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نمجّد نساء السلطة أو نشيطنهنّ، ولا أن تكون لدينا توقعات عالية منهن لمجرد كونهن نساءً، ويجب أن يحاسَبن مثل باقي الساسة.

نواصل كحقوقيين/ ات التعامل مع العديد من الأسئلة:

إلى أي مدى ينبغي لنا أن نتطلع إلى النساء في الحكومة أو نتحالف معهن؟

وإلى أي مدى يجب أن نحمّل نساء السلطة المسؤولية عن تصرفات الحكومة القمعية؟ وأخيراً،

هل يمكن فعلاً تحرير المرأة الليبية من خلال الإصلاح الداخلي وبالعمل مع العدو، أم أن الأمر يتطلب اتّباع نهج أكثر راديكاليةً وإعادة هيكلة الأنظمة القائمة؟

____________

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *