عبدالله الكبير

تكشف الاشتباكات المسلحة التي وقعت بطرابلس الاثنين والثلاثاء الماضيين، عن الحاجة الملحة لإجراء الانتخابات، وإنهاء كل الكيانات الحالية.

إذ أثبتت تجربة السنوات الماضية، أن كل السلطات الانتقالية لا تملك ما تواجه به تمدّد وتغوّل المجموعات المسلحة، بل إن كل حكومات مرحلة ما بعد انتخابات المؤتمر الوطني، وجدت نفسها مضطرة للتعامل مع الفصائل المسلحة.

وذلك لحفظ الأمن وتأمين مواقع عديدة في كل أنحاء البلاد، بسبب غياب الأدوات التي يمكن للحكومة استخدامها لفرض الأمن، فحالة الفراغ المؤسساتي واضحة، وعجزت كافة الحكومات المتعاقبة عن معالجة ملف السلاح والتشكيلات المسلحة.

التوجه نحو منح الفصائل المسلحة صبغة رسمية، كان إجراءا لا مناص منه في مواقف عديدة، إزاء استمرار حالة الصراع وغياب المؤسسات المرجعية، لمعالجة حالات طارئة تستوجب استخدام القوة، أو التلويح بها على أقل تقدير.

لذلك يذكر كثيرون في العاصمة الأدوار التي مارستها قوة الردع، في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، ومداهمة أوكار ترويج وبيع المخدرات والخمور، ولكن سجلها الحقوقي كان سيئا للغاية، ولم يلتزم أفراد القوة بمواثيق ومعايير حقوق الإنسان.

أما اللواء 444 فقد ساهم في مكافحة التهريب وفض النزاعات بين بعض الفصائل المسلحة، ورغم تبعيته لرئاسة الأركان بالمنطقة الغربية، إلا أن ولاءه الواضح لقياداته المباشرة، شأنه في ذلك شأن أغلب الفصائل والتشكيلات المسلحة.

وبصرف النظر عن الأسباب الظاهرة والخفية للصراع الأخير بين الفصيلين الأكبر في طرابلس، فإن حالة التنافس على السلطة والنفوذ هي المحرك الرئيسي للصراع، إذ باتت قوة الردع ترى في اللواء 444، بالقدرات القتالية لعناصره، وتزايد اعدادهم باضطراد، منافسا لا يستهان به، وسوف يقتطع مساحات من نفوذهم وسلطتهم، لذا كانت المواجهة حتمية، مهما تأجل زمن اندلاعها.

ثمة نقطة إيجابية في هذا النزاع وفي نزاعات سابقة، وهي نجاح الوساطات الاجتماعية للأعيان والشخصيات الإجتماعية في فض النزاع، وإنجاز تسوية تنهي القتال وتحقن الدماء.

ففي هذه الأزمة، وفي أزمات سابقة، كان دور السلطات الرسمية ثانويا، بينما لعبت الشخصيات الاجتماعية الدور الأبرز في التوصل لحلول وتسويات مرضية أو مقبولة، وهذا بالضرورة راكم خبرات أكدت قدرة الليبيين على التفاوض والحوار، من دون تدخل مباشر من السلطة الرسمية، أو اللجوء إلى وساطات خارجية.

يدرك الجميع تقريبا أن كل الحلول والتسويات مؤقتة، مادامت أسباب الصراع قائمة، وأنه لا ضمانة لعدم عودة  الاشتباكات، وإذ تحاول بعض الأطراف استغلال الأزمة للإطاحة بالحكومة، وتشكيل حكومة انتقالية جديدة، فالحكومة وكذلك المجلس الرئاسي برؤوسه الثلاث، اظهروا عجزهم عن معالجة الازمة.

إنهم لم يظهروا خلال اليوم الأول للقتال، مفضلين الصمت وانتظار وضوح الرؤية، قبل إتخاذ موقف، ولكن هذا وحده ليس مبررا كافيا لإبرام صفقة جديدة، تأتي بسلطة جديدة لن تختلف عن سابقاتها وستقع تحت رحمة القوى المسلحة، لأنها لا تملك سبيلا غير التعامل معها بأسلوب الترضية.

لذلك وعلى أقل تقدير، سوف تملك أي حكومة مشكّلة من مجلس نواب منتخب الشرعية الانتخابية، وهذه الشرعية ستكون هي القوة التي ستواجه بها أي طرف لا ينصاع لارادتها ومواقفها.

فالطريق نحو معالجة هذه الأزمات الطارئة بين الحين والآخر، وكافة الأزمات الأخرى يبدأ من تجديد الشرعية عبر الانتخابات، وأي سبيل آخر لن يأتي بنتائج مختلفة عما سبقه.

___________

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *