رشيد خشانة

تؤكد مؤشرات عدة أن رؤية القوى الدولية والإقليمية، المُتابعة للوضع في ليبيا، باتت أكثر ثقة من ذي قبل، في فرص تحريك قطار الحل السياسي المُعطل عمليا منذ التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في 2020.

ومن تلك المؤشرات الاستعداداتُ الجاريةُ، لمعاودة فتح السفارات والقنصليات المُعتمدة لدى ليبيا.

وفي هذا الإطار لوحظ تعاقب الزيارات السياسية لطرابلس في الفترة الأخيرة، لمناقشة الأوضاع الأمنية وسُبُل تأمين البعثات الدبلوماسية، فحادثة مقتل السفير الأمريكي كريس ستيفنز، في أيلول/سبتمبر العام 2012 في مقر القنصلية الأمريكية في مدينة بنغازي (شرق) ما زالت حاضرة في الأذهان. ويعمل السفير الأمريكي الحالي نورلاند، من مكاتب السفارة الأمريكية في تونس، مع التحرك إلى ليبيا كلما اقتضى الوضع ذلك.

وكانت وزيرة الخارجية والتعاون الدولي في حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية، نجلاء المنقوش، قامت منذ أسابيع بجولة خليجية، شملت البحرين وقطر والكويت وانتهت بالمملكة العربية السعودية، وكان المحور الرئيسي لمحادثاتها مع المسؤولين في تلك الدول، يتعلق بالاستعداد لتجهيز عودة سفارات الدول الخليجية للعمل داخل العاصمة الليبية، واستئناف الرحلات الجوية لشركات طيرانها، وتسهيل إجراءات الحصول على التأشيرات.

كما تكثف الاهتمام الألماني بالملف الليبي في الفترة الأخيرة، وعزا مراقبون تزايد الاهتمام هذا إلى تداعيات الحرب في أوكرانيا، وانعكاساتها المحتملة في أسواق الغاز العالمية.

ولوحظ أن السفير الألماني ميخائيل أونماخت كثير الاتصالات بالليبيين، وآخرها زيارته إلى مقر لجنة إدارة جهاز النهر الصناعي الأربعاء الماضي، لدراسة فرص التعاون مع الشركات الألمانية في المجالات المائية.

ويجوز القول إن الألمان مُتقدمون على منافسيهم الأوروبيين في ليبيا، بعد إخفاق الدبلوماسيتين الفرنسية والإيطالية في تحقيق اختراق نوعي، على طريق المصالحة والتسوية السلمية للصراع.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن السفارة الإيطالية ظلت مفتوحة ولم تُقفل أبوابها، حتى في أشد الأوقات توترا وعنفا. أما فرنسا فحرصت على تسمية سفير جديد لدى ليبيا، من أصول عربية هو مصطفى مهراج، وأعادت فتح سفارتها في طرابلس منذ العام الماضي.

ولا ريب أن الانسحاب الفرنسي الاستراتيجي من منطقتي الساحل والصحراء، أغوى روسيا، بالدخول على الخط، وتسمية سفير جديد لدى ليبيا، في أعقاب غياب دبلوماسي استمر سنوات. وموسكو هي أحد الداعمين الكبار للحاكم العسكري للمنطقة الشرقية اللواء المتقاعد خليفة حفتر.

ولم يتحرج ثعلب الدبلوماسية الروسية ميخائيل بوغدانوف من التصريح لإحدى وكالات الأنباء بأن غاية روسيا اليوم هي «استعادة الوجود الذي كان لها قبل تفكك الاتحاد السوفييتي». وبوغدانوف هو نائب وزير الخارجية الروسي والمبعوث الرئاسي الروسي الخاص للشرق الأوسط وأفريقيا.

وقد أعلن أن موسكو اتخذت قرارا باستئناف عمليات قنصليتها العامة في بنغازي، وعينت أيدار رشيدوفيتش أغانين سفيرا جديدا لدى ليبيا. وعلى إثر ذلك القرار، زار فريق فني روسي العاصمة الليبية «لكي يرى كيفية الإعداد العملي لمعاودة فتح السفارة في طرابلس».

وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قال قبل أيام إنه «يُعلق أهمية كبيرة على العلاقات مع ليبيا، ويهتم بالتوصل إلى تسوية عادلة ومستدامة للصراع الداخلي، الذي طال أمده في ذلك البلد». ومن الواضح أن الروس يأملون أن تساعد عودة السفارة إلى العمل في تعزيز المصالح الاقتصادية الروسية، وتكثيف حضور المقاولات والشركات الروسية التي كانت تعمل في ليبيا قبل 2011.

وكانت وزيرة الخارجية والتعاون الدولي بحكومة الوحدة الوطنية، نجلاء المنقوش، بحثت مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، آفاق استئناف المشروعات الاقتصادية الروسية المتوقفة قبل أكثر من عشر سنوات، لكن لم تتسن معرفة مضمون الرد الليبي على هذه الرغبة الروسية.

وتطرقت مناقشات الجانبين أيضا، في لقاءين بموسكو وطرابلس، في شكل خاص، لاستئناف المجموعات الروسية الكبرى أنشطتها في ليبيا، وخاصة شركات «تات نفت» الروسية و«غازبروم» و«السكك الحديدية الروسية» التي ساهمت حتى العام 2011 مع شركاء محليين، في تنفيذ مشاريع مشتركة.

وقد مهدت تلك الاتصالات لسن المرسوم، الذي أصدره رئيس الاتحاد الروسي فلاديمير بوتين، وعين بموجبه أيدار رشيدوفيتش أغانين سفيرا فوق العادة مفوضا لروسيا لدى ليبيا.

وقدم السفير الجديد، مؤخرا أوراق اعتماده لرئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي. و«يملك» أغانين أوراق الملف الليبي جيدا، فهو مستعربٌ يعرف المنطقة معرفة دقيقة، فضلا عن خبرته الميدانية في البلدان التي خدم فيها، وهي الأردن والعراق وفلسطين والولايات المتحدة.

كما يُعتبر أحد مستشاري بوتين المقربين في الشرق الأوسط، وتحديدا في قسم تخطيط السياسات، بوزارة الخارجية الروسية، حسب صحيفة «ناشيونال إنترست». ويعكس التدقيق الأمريكي في المسار الدبلوماسي للسفير الروسي الجديد، الاهتمام الذي توليه واشنطن للتمدد الروسي في ليبيا وجنوب الساحل والصحراء، فضلا عن معاودة فتح السفارة والقنصلية الروسيتين في طرابلس وبنغازي.

وقال السفير أغانين للصحيفة الأمريكية المذكورة، بنبرة المنتصر «التواجد الدبلوماسي الروسي في ليبيا استؤنف بالكامل، والآن سنعمل على تعزيز علاقات الصداقة التقليدية مع ليبيا».

روسيا وسيف القذافي

مع ذلك ستكون مهمة السفير الروسي الأعسر بين مهام زملائه، إذ أن الدور الذي لعبته مجموعة «فاغنر» الروسية الخاصة، في الحرب التي شنها خليفة حفتر في 2019 على العاصمة طرابلس، حيث يُقيم ثلثا السكان، تركت مرارة وسخطا لدى سائر الليبيين.

كما أن دفاع موسكو عن سيف القذافي، وتشجيعه على الترشُح للانتخابات الرئاسية المقبلة، يُثير الريبة لدى الرأي العام الليبي. وسبق أن حصل خلاف دبلوماسي روسي ليبي على إثر اعتقال شخصين، كانا يحاولان الوصول إلى سيف القذافي، عندما كان معتقلا في منطقة الزنتان.

وفيما اعتبرت الأجهزة الأمنية الليبية الشخصين جاسوسين روسيين، اتضح أن أحدهما باحث والثاني مُترجمه. من هنا تأتي أهمية عودة تمثيل دبلوماسي كامل لتلك الدول في طرابلس، وبمستوى سفير.

إلا أن محللين اعتبروا أن موجة عودة السفارات لا تكتمل، إلا بعودة العمل في السفارة الأمريكية لدى ليبيا، والتي ما زالت لم تتخلص تماما من كابوس الهجوم على مبنى القنصلية الليبية في بنغازي، حيث قُتل السفير كريس ستيفنز اختناقا، مع اثنين من موظفي السفارة العام 2012.

ويذهب بعض المحللين إلى القول إن العودة الحقيقية للسفارات إلى ليبيا، تتوقف على معاودة فتح مكاتب السفارة الأمريكية في طرابلس، إذ أن الإقامة الرسمية للسفير الحالي نورلاند ما زالت في تونس.

ثلاث سفارات

هناك ثلاث بعثات دبلوماسية في طرابلس لم تُقفل أبوابها، وهي التركية والقطرية والإيطالية. وسببُ مغادرة السفارات الأخرى، هو اندلاع حرب مدمرة، في 14 حزيران/يونيو 2014 بين من أطلقوا هجوما عسكريا على المنطقة الغربية، تحت مُسمى «عملية الكرامة» بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، من جانب، وقوات «فجر ليبيا» من جانب ثان.

غير أن العودة الكاملة للبعثات الدبلوماسية إلى العمل من طرابلس مُتوقفة، في رأي بعض الخبراء، على حلحلة الموقف الأمريكي، الذي ستتبعُهُ البعثات الأخرى، ما أن تتغير المعطيات.

مع ذلك تبقى المنطقة الغربية هشة ورخوة أمنيا، فلا شيء فيها منضبط أو قابل للضبط، بسبب تعدد الميليشيات وخلافات أمرائها، على نحو يجعل ما يراه البعض «عملية محدودة» قد ينزلق سريعا إلى حرب، على غرار ما حدث في 2014 و2019 والأسباب كثيرة وغير قابلة للحصر، وغير خاضعة للمنطق أصلا.

لذلك يمكن القول إن البلد، وخاصة العاصمة، ما زال غير آمن تماما. وقد تكاثرت في الفترة الأخيرة عمليات التهريب والنهب والجريمة، ما حدا بحكومة الوحدة لإصدار أوامر بتوجيه ضربات جوية إلى مواقع الميليشيات وشبكات التهريب.

وأكد السفير ريتشارد نورلاند أن أمريكا مهتمة ليس فقط بمحاولة تطهير الجنوب الليبي من المسلحين وشبكات الإرهاب، وإنما أيضا بتقديم الدعم المباشر للقوات الليبية، من أجل تطوير قدرتها على ضمان أمن الحدود، من دون إعطاء تفاصيل عن طبيعة هذا «الدعم».

وخلافا للتحاليل التي تعتبر ليبيا قد تدحرجت في سلم الاهتمامات الأمريكية والأوروبية، جراء الحرب في أوكرانيا، فإن الاهتمام بها زاد في الفترة الأخيرة. وأكد المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لويس ميغيل بوينو، أن أوروبا تأثرت كثيرا بالأزمة الأوكرانية لاعتمادها على الغاز الروسي بنسبة تفوق 40 في المئة.

وتؤكد مصادر متعددة أن الاتحاد الأوروبي يقود حاليا مشاورات مع عدد من دول الشرق الأوسط، في مقدمها ليبيا والجزائر، بُغية تنويع مصادر الغاز والطاقة و«التسريع في توفيرها لمواجهة جميع الاحتمالات». كما تؤكد تلك المصادر أن هناك محادثات وزيارات في أعلى مستوى تجري حاليا بين ليبيا وإيطاليا في هذا الشأن، ويُتوقع في أفق قريب أن تُكثف البلدان الأوروبية استثماراتها في الغاز والنفط الليبيين.

تداعيات سلبية

ليست أمريكا الوحيدة التي تخشى من استمرار التداعيات السلبية للأزمة الليبية، في انتشار الجماعات المسلحة، على الحدود المشتركة مع كل من النيجر وتشاد، فهذا الانتشار يشكل مصدر انشغال كبير أيضا للدول الأوروبية والأمم المتحدة، التي أعدت قوة «مينوسما» بغية مطاردة عناصر الجماعات الإرهابية في المنطقة.

ويتعرض النيجر إلى موجات كبيرة من النازحين من مالي المجاورة، كما أنه عرضة لضربات عسكرية من الإرهابيين، الآتين من بوركينا فاسو. لذا يرى خبراء أن انسحاب بعض مسلحي فاغنر من أفريقيا الوسطى ومن مالي لن يكون إلا مؤقتًا، ولا يعني أن روسيا تخلَّت عن تمددها في غرب أفريقيا.

__________

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *