عبدالله الكبير

لم تفاجئني ظهور مخالفات في قوائم الموفدين للدراسة، فأن تكون أسماء أبناء وأقارب مسؤولين داخل هذه القوائم مع إخفاء اللقب مسألة واقعية تماما، ونتيجة طبيعية لثقافتنا المزدوجة، فنحن نستهجن ونستنكر هذه الممارسات غير القانونية وغير الاخلاقية من المسؤولين.

ولكننا لا نواجههم بها ولا ننتقدهم إذا التقينا بهم، بل سنظهر لهم قدرا مبالغا فيه من الحفاوة والاحترام، ومتى حصلنا على نفس الفرصة، من الذي سيصمد ولن يستجيب للإغراءات المادية، والمزايا التي يمنحها المنصب؟ وأنا هنا لا أعمم، لكن هذه الازدواجية هي القاعدة.

 ربما لو ظهرت القوائم نقية لاشية فساد فيها، هو ماسيدفعني للشك والتساؤل والبحث، فربما سيكون هناك خطأ ما. إذ من غير المعقول أن لا يظهر الفساد في بيئة تبجل الفاسدين وتظهر احترامها لهم، مع استعداد مسبق للأكثرية لممارسة الفساد بكل أشكاله وأنواعه

لعل ما نشر هو قمة جبل الجليد، وما يخفيه المحيط أضخم، وماذا بعد أن كشفت لنا القوائم أن المؤتمنون على رصد الفساد، وضبطه، وتوثيقه، هم ايضا استغلوا سلطتهم ومكنوا أقاربهم من قرارات الإيفاد.

ليس ثمة جديد في هذا السلوك بالطبع، فإذا عدنا إلى التقارير التي ترصد المخالفات والتجاوزات الإدارية، فالإدانة تلاحق كل الحكومات السابقة، وتظهر الاستغلال البشع لمواقع المسؤولية لخدمة أهداف خاصة، وإذا امتدت العودة إلى حكومات الزمن الماضي، سنصل إلى جذور هذا الفساد مع بداية تدفق النفط في صحرائنا زمن العهد الملكي.

وهذا يؤكد حقيقتان لا مندوحة من الاعتراف بها إذا امتلكنا الإرادة لمواجهته:

الأولى هي أن الفساد صار شجرة ضخمة تضرب جذورها في الأعماق، وتمد أغصانها وأوراقها، ملقية بظلالها علي كل أركان البلاد.

والأخرى أن هذه الشجرة الخبيثة ماكان لها تنمو وتترسخ إلا بوجود تربة مناسبة ووسط ملائم

تنسب للزعيم البوسني علي عزت بيجوفيتش مقولة تحمل دلالة عميقة.

لا تقتل البعوض ولكن جفف المستنقعات

 فإذا اسقطنا البعوض كرمزية للفساد فإن المستنقع هو البنية الاجتماعية والسياسية والاخلاقية، التي قدمت البيئة الملائمة والوسط لكي ينبت الفساد وينمو وينتشر، ولا جدوى من أي إجراءات لمكافحته، لأن تأثيرها سيكون مؤقتا.

لابد من تجفيف منابع الثقافة المنتجة للفساد في البنية الاجتماعية

ليطرح كل واحد هذا السؤال على نفسه.

لو تبوأت نفس موقع المسؤولية الذي استغله القائمون عليه الان، هل سأفعل مافعلوه أم سأحتفظ بنزاهتي وشرفي، ولن أسمح لنفسي بارتكاب ما يجرمه القانون، ويخالف الشريعة، وتنبذه الأخلاقيات؟.

تبدأ النزاهة بتجنب العاطفة قبل الإجابة.

 أو كما قال الشاعر: لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها. ففي مختبر التجربة يظهر نبل المعدن وأصالته أو انحطاطه ورداءته.

لديك أبناء واقارب يريدون الدراسة في الخارج، ويرغبون في الحج، ومحتاجون للعلاج. فماذا أنت فاعل؟

ستكون بين مطرقة العامل الاجتماعي، وسندان الالتزام القانوني والأخلاقي، فلن يعترف وسطك العائلي والقبلي بنزاهتك، وستمارس عليك كل أنواع الظغوط، وسيقاطعك بعضهم، إذا رفعت في وجوههم، شعارات العدالة والمساوة وتكافؤ الفرص، لأن مفهوم العدالة ملتبس في ثقافتنا، نطلب العدالة لنا وفي قضايا تمسنا، ولكننا لا نعترف بها للآخرين.

العدالة تقتضي الاعتراف بحقوق الآخرين وعدم الاعتداء عليها، وحين يكون ثمة من هو أجدر من ابنك في نيل فرصة تعليم أو وظيفة، يتعين عليك الرضوخ للعدالة برضى.

بل لا ينبغي لك التقدم لشغل وظيفة عامة، مالم تتأكد ان باب التقدم لها مفتوح لكل من يرغب، وسيتم مرور الجميع على مسطرة معايير ومواصفات واحدة، ليظفر الافضل بالوظيفة.

نحن جميعا، ماعدا القلة، سنذهب إلى أبواب أخرى نطرقها، باحثين عن قريب أو صديق يتوسط لنا لنحصل على الوظيفة.

ليس مهما كفاءتنا، أو مصلحة المؤسسة التي سنعمل بها، أو مصلحة البلاد، بينما في أعمالنا وممتلكاتنا الخاصة، سنجتهد ونعمل كل المعايير والاختبارات لنحصل على الأفضل والأجدر والأقل تكلفة.

 فالمعالجة الجذرية لكل أنواع الفساد تستلزم مشروعا وطنيا شاملا، تشارك فيه كل مؤسسات المجتمع، وعلى رأسها مراكز البحث بالجامعات، يرتكز على تقصي جذور الفساد في العقل الليبي، واقتراح السبل اللازمة لاحداث التغيير الثقافي للمجتمع أولا، لمعالجة كل التشوهات الموروثة من حقب سابقة، وتعريف المواطن بأهمية العدالة كركيزة أساسية للنظام الاجتماعي، وبعث القيم الاخلاقية الأصيلة.

وبعدها سيكون للقانون دوره التكميلي والحاسم، فأفلات الفاسدين والمفسدين من العقاب، يعزز من تجذره وانتشاره.

___________

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *