عمر الكدي

لا يبدو أن الأزمة الليبية في طريقها إلى الحل، لا هذا العام ولا في العام المقبل ولا الذي يليه، وسيرحل المبعوث الأممي عبدالله باتيلي مثلما رحل الذين سبقوه.

وربما سيأتي مبعوث جديد قد يكون هذه المرة آسيويا من اليابان أو كوريا الجنوبية أو الفلبين أو الهند، بعد أن جرب الليبيون مبعوثين من كل القارات الأخرى.

وسبب استمرار هذه الأزمة هو غياب التشخيص الدقيق للأزمة، وغالبا يعطي المبعوثون الدوليون الوصفة نفسها للمريض نفسه، وهم يرجون شفاءه عما قريب. إذن علينا أولا أن نصل إلى التشخيص الدقيق.

كلمة دولة لا تنطبق على ليبيا الحالية ولا ليبيا ما بعد سبتمبر، واستخدامها هنا مجاز مثلما استخدمها أجدادنا، عندما قالوا «كل دولة ورجالها».

ليبيا دولة ريعية بامتياز منذ تصدير أول برميل للنفط، ولعله أنفق بشكل رشيد عندما كانت عوائده قليلة في العهد الملكي، ثم أنفق بمنتهى الغباء بعد انقلاب سبتمبر، فحاول القذافي أن يستخدم العوائد الضخمة، التي تضاعفت بعد حرب 1973، على كتابه الأخضر ومواجهة الإمبريالية والصهيونية والرجعية.

ومع ذلك كان الليبيون ينفقون أكثر مما ينتجون، بسبب هذه البقرة التي يمتلئ ضرعها كل صباح بحليب أسود، وثمة من يرضع أكثر من مائة عجل، وثمة من يرضع مثل جرو صغير ينبح إذا جاع وينبح إذا شبع.

ولكن ما هي دورة هذه العوائد.

تبدأ بتعاقد المؤسسة الوطنية للنفط مع الدول أو الشركات العالمية التي ستشتري النفط الليبي، وبعد تصدير الشحنات تتحول عوائده بالدولار الأميركي إلى المصرف الخارجي الليبي، الذي يتأكد من صحة العقود والأسعار، ثم يحول المبالغ إلى المصرف المركزي في طرابلس، الذي يقتطع تكاليف الإنتاج ويحولها إلى المؤسسة الوطنية للنفط بما في ذلك الرواتب وكل ما يلزمه التشغيل لتظل البقرة تُحلب.

أما الباقي فيوزع على الوزارات والبلديات وفقا للميزانية التي تضعها وزارة المالية والفائض يحول إلى شركة الاستثمارات الخارجية وجمعية الدعوة الإسلامية، ونفقات للقائد وأبنائه ومصروفات خيمته المتواضعة وحراسه وحارساته وجولاته الخارجية والداخلية.

ويمكننا تصور حجم هذه المصروفات إذا علمنا أن الركعتين اللتين صلاهما في أبوجا بنيجيريا في الجمعة الأخيرة من العام الهجري قد كلفت نصف مليار دولار.

بعد الحصار بسبب قضية لوكربي منع القذافي محافظ المصرف المركزي من التوقيع على أي صك يفوق العشرة آلاف دولار، وظهر مصطلح «المجنب» وهو فائض عوائد النفط بعد خصم الرواتب والسلع التموينية والدعم، والباقي لا يدري حتى محافظ المصرف المركزي أين ذهب.

إذا استثنينا تعويضات ضحايا لوكربي وملهى برلين وضحايا الجيش الجمهوري الأيرلندي، والشرطية إيفون فلتشر التي قتلت أمام السفارة الليبية في لندن، وثمن أسلحة الدمار الشامل التي شحنت لتخزن في الولايات المتحدة.

أصبح القذافي هو المحافظ الحقيقي لمصرف ليبيا المركزي، وبدلا من مراقبة السياسة النقدية للدولة، ومكافحة التضخم والحفاظ على قيمة العملة الوطنية، حرص القذافي على توفير قيمة التعويضات الفلكية وتغطية عبثه في كل أركان الكوكب، على حساب التنمية والتعليم والصحة.

ومنذ ذلك الوقت أصبح مواطنو هذه الدولة الريعية يعيشون في بلاد ويعالجون خارجها إذا مرضوا، ويتعلمون خارجها ويحضرون السلع المعمرة من خارجها بعملة ظلت تتدنى قيمتها أمام الدولار حتى وصلت إلى الحضيض، باستثناء سعر الخبز الذي ظل «العشرة بربع».

في أكتوبر 2012 تولى الصديق الكبير منصبه الجديد، بعد أن كاد يفلس بمصرف الأمة الذي تولى رئاسة إدارته منذ عودته من الدراسة بالولايات المتحدة، وخرج من كل التحقيقات معه كالشعرة من العجينة، بسبب علاقاته مع مكتب الاتصال باللجان الثورية، وفيما بعد بسبب قربه من سيف القذافي، وتكليفه بالمحافظ الليبية الخارجية.

استغل الكبير وجوده في لندن في توطيد علاقاته مع شركاء دوليين، خلال إعادة تأهيل نظام القذافي ودفعه إلى بيت الطاعة، ويبدو أن الأصول الطرابلسية للصديق الكبير لعبت دورا كبيرا في تكليفه مهام خطيرة سواء في نظام سبتمبر أو نظام فبراير.

فالأصول الطرابلسية تعني أنه لا ينتمي إلى أي قبيلة من هذه القبائل التي تتقاتل على الحليب الأسود، والانتماء إلى طرابلس قد يلعب دورا سلبيا كما حدث لصديقي الراحل الشاعر الكبير محمد الفقيه صالح، الذي تعرض لمزيد الاضطهاد والتمييز خلال سجنه مع مجموعة جريدة الأسبوع الثقافي، عندما كان يسأله سجانوه، ومعظمهم من بدو المنطقة الوسطى، فيجيب بأنه لا ينتمي إلى أي قبيلة فيقولون له حتى الكلاب عندها قبائل.

ولكن هذه النقمة تحولت إلى نعمة مع الصديق الكبير، فغياب القبيلة يجعل من صاحبها مجرد «عوّال» في عرس لا علاقة له به، ومهما وصلت طموحاته فلن تصل إلى الخيمة، ولكن الآن أصبحت الخيمة بجانب السرايا الحمراء، القلعة التي تعوّد أن يحكم من فوقها باشوات طرابلس حتى ولو كانوا غير ليبيين.

ولهذا يمكننا أن نطلق على هذا الكيان المشوه «دولة الصديق الكبير»، فجميع من يلعب على هذا المسرح العبثي يقبض مرتبه من الصديق الكبير، ليس الشعب فقط الذي يعيش عاطلا ولكنه يتقاضى مرتبه كل شهر، وكل الفرقاء في ليبيا يتقاضون مرتباتهم من الكبير، بما في ذلك ميزانياتهم سواء كانوا في مجلس النواب أو مجلس الدولة، سواء حاربوا مع حفتر أو مع بقية المليشيات.

تتبدل السيناريوهات ويغادر الممثلون السابقون خشبة المسرح، ويحل محلهم ممثلون جدد، إلا الصديق الكبير الذي لا يغادر بالرغم من أنه لا يظهر على الخشبة، ولا يظهر لا في الصخيرات ولا في بوزنيقة، لا في برلين ولا في جنيف؛ وبعد تعيين فرحات بن قدارة المحافظ السابق لمصرف ليبيا المركزي رئيسا للمؤسسة الوطنية للنفط تكاملت الدائرة.

فبن قدارة يحلب والصديق الكبير يوزع الحليب، وما فاض من حليب يتحول إلى جبن يعتق ويخزن في سراديب المصرف المركزي، والفائض يحول إلى زبادي في مصراتة.

الصديق الكبير طرابلسي قح مثله مثل فائز السراج، وهو محافظ المصرف المركزي الوحيد في العالم الذي بإمكانه الإنفاق على أكثر من حكومة وأكثر من برلمان وأكثر من جيش في البلد نفسه، وأنفق على جميع الحروب التي شهدتها البلاد.

____________

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *