هذا سؤال طرحه المفكرون العرب منذ أن ظهرت نجاحات سياسة حزب العادلة والتنمية بعد تسلمه الحكم في تركيا عام 2002م، وبالأخص أن هذا الحزب في نظر معظم العرب وأعضاء الحركات الإسلامية خصوصاً هو حزب إسلامي.

الإسلاميون يتفاءلون بنجاح هذا الحزب وبإمكان أن تتكرر تجربته في سياقات عربية أخرى وتصنع نفس التقدم ونفس الدولة القوية، والاقتصاد المزدهر ونفس معدلات النمو التنموي العام، وارتفاع معدلات مستوى الدخل للمواطنين بالمقاييس الدولية.

ولعل أول ما ينبغي استفادته من دروس تجربة النهوض التركي أن حزب العدالة والتنمية خرج من رحم المعاناة الجماهيرية، وأنه دفع ثمن نحاحه في الوصول إلى عقول الشعب التركي الكثير من التضحيات، وأنه دفع ثمن وصوله إلى السلطة السياسية الغالي والنفيس.

ولكن سبب نجاحه، لم يكن بذله للتضحيات فقط، وإنما امتلاك حزب العدالة والتنمية رؤية واضحة ومقنعة ومفعلة لمكونات الشعب التركي بقيمه وثقافته وتاريخه وثرواته ومدخراته وطاقاته.

فقد رفض هذا الحزب الوصاية التي كانت تمارسها الأحزاب السياسية السابقة، والتي كانت تنظر للشعب التركي على أنهم مجرد أطفال بحاجة إلى الرعايا الأبوية من الحزب الحاكم، فأدرك حزب العدالة والتنمية أن هذه النظرة غير السياسية أخطر على الدولة واقتصادها من إعلان الحرب عليها، لأنها تحصر التفكير بالقلة القليلة من رؤساء الأحزاب الحاكمة، وتلغي كفاءات عشرات الملايين من الشعب، وتدمر عولهم، وتدفن إبداعاتم تحت التراب.

إن الفكرة من تبادل السلطة السياسية بين الأحزاب السياسية لا تهدف إلى العدالة في توزيع مكاسب السلطة على أكبر عدد من قادة الأحزاب السياسيين والرأسماليين،وإلا كان ذلك مرضا ديمقراطيا، وإنما تهدف إلى الكشف عن الطاقات الكامنة في الأمة، وتقديم القوى الشبابية إلى لعب دورها الجديد في تطور ومد عمرها بالروح الشبابية العلمية والتجديدية.

هذا هو السر في مبدأ تداول السلطة، أي: تواصل مد الدولة بروح جديدة فاعلة، لديها الرغبة العالية يتجاوز كل ما تم إنجازه من قبل.

فإن كان العمل السابق حسنا، فلا بد من خلق الأحسن، فكيف إذا كان الماضي سيئا وفاشلا ومتعثرا أو فاسدا، وفوق ذلك رافضا للاعتراف بعجزه وقصوره؟.

إن دور الانتخابات الديمقراطية أن تفرز من أبناء الوطن أقدرهم على خدمة الوطن، وأن تحتفظ بالأجيال السابقة كأبطال تاريخيين فقط.

هذا هو السر في نجاح التجربة التركية النهضوية في تركيا، أي: أنها نجحت في دفق دماء جديدة في الحياة التركية في كل المجالات، وبالأخص الحياة السياسية التي تقود حركة النهضة التركية.

فإذا لم تستطع الشعوب العربية تجديد الدماء السياسية في عروقها، فإنها ستفقد الشرط الأول في الاستفادة من التجربة النهضوية التركية، وبالتالي لن تنجح في الشروط التالية، لأن النهضة بناء متكامل، وكل نجاح في خطوة هو شرط لنجاح الخطورة التي تليها، فإن البناء لن يكتمل إلا بتتابع الخطى.

فما هي الشروط للاستفادة من التجربة التركية النهضوية الناجحة؟

الشرط الأول: بروز تيار سياسي شبابي مجدد

أن الشعب التركي فرض على الأحزاب السابقة وعلى الحياة السياسية التركية دخول تيار سياسي شبابي جديد، يمتلك روح جديدة وتجديدية، يريد البناء ويملك القدرة على البناء، ولكنه يريد أن تتاح له الفرصة لإثبات ذلك، وهذا ما تم بالفعل في العقد الأول من هذا القرن في تركيا، لقد تدفقت دماء جديدة في الحياة الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتصنيعية والتقنية والتكنولوجية والاستراتيجية وفي كل جوانب الحياة التركية، والأمل أن يكون قطار الربيع العربي يحمل بين ركابه هذا النوع الشبابي العربي الحر والديمقراطي والمجدد.

الشرط الثاني: تبني مفهوم السلطة خدمة للشعبوليس مغنما

هذا الشرط تمسكت به التجربة التركية بعد نجاحها في الشرط الأول، فهو ترسيخ مفهوم السلطة خدمة للشعب وليس مغنما، وأن يترجم ذلك على أرض الواقع فعلا.

فلا يكفي أن يدعي رئيس الدولة أو رئيس الوزراء أو وزير هذا الشعار وهو ملياردير أو مليونير على أقل تقدير، أو وهو يعيش في قصور فارهة تأخذ من المساحة الجغرافية فقط أكثر مما تأخذه أحياء شعبية فقيرة تعج بعشرات الألوف من المواطنين، فضلا عن أرصدة بنكية لا تتصورها عقول البسطاء من أبناء الشعب، أو أن ما يصرف على مظاهر بذخه اليومي تكفي لتصرف على ألوف أو مئات العائلات غذاءً ودواءً لأشهر عديدة.

هذا النوع من الساسة، لا يحق له أن يدعي أنه خادم للشعب، أو أنه يفكر بهموم الشعب، وهو يسهر على راحتهم ويعمل لصالحهم، وبالتالي، لا يحق له أن يكون وزيرا فضلا عن أن يكون رئيسا.

فالخلل في العادالة الاجتماعية مصدره الأول غياب القناعة الذاتية والشخصية، ودور الانتخابات الحرة والنزيهة هو إبعاد هؤلاء الطامعين والفاسدين عن العمل السياسي العام، لأن من لا يعيش هموم الناس لا يستطيع أن يخدمهم.

وهذا الشرط يتطلب وضع قوانين المساءلة المالية أنّى لك هذا، وكشف حساب مالي لكل مسؤول قبل استلامه المنصب العام وإثناء وبعده، والتحقيق القانوني في كل ثراء غير طبيعي أثناء تولي المنصب أو بسببه.

الشرط الثالث: المساءلة والمحاسبة لكل صاحب منصب

هذا الشرط يترتب على النجاح في الشرطين السابقين، وهو سؤال الإنجاز والنجاح فيما أوكل لكل صاحب منصب، سؤال عما أنجزه وما أخفق فيه، فالنجاح شرط للبقاء في المنصب المدة القانونية المحددة، والفشل والقصور لا يعفي صاحبه من منصبه فقط، وإنما ينبغي التحقيق معه عن أسباب إخفاقه وعجزه، لأن المطالبة بالنجاح في المنصب العام هي الأصل، والإخفاق في المناصب العامة يشبه الجريمة، لا بد من التحقيق القانوني فيها لإثبات العكس، وإلا فالجرم قائم، والعقوبة بالانتظار، فإذا كان الإخفاق لعذر لم يتم علاجه بصورة صحيحة فالإعفاء من المنصب هي النتيجة، أن: أن المنصب العام أمانة وخدمة، وليس وسيلة للثراء، ولا رشوة للسكوت على الفساد الأعلى.

الشرط الرابع: تبني العمل المؤسسي المدروس

هذا الشرط هو أن يكون العمل مؤسسيا ووفق خطط مدروسة وبتمعن ومعرفة دقيقة بالحاجات والإمكانيات والقدرات البشرية المنفذة. فالنهضة لا تقوم بأعمال فردية إلا في الاعمال الشخصية الخاصة، أما المشاريع العامة والكبيرة فتحتاج إلى عمل لجان مختصة تنبثق عن مؤسسات كبيرة تابعة لوزاراتها المعنية، فلا يصدر قرار ولا ينفذ مشروع إلا بعد أبحاث متخصصة واستشارات كبيرة ودراسات جدوى وتحقيق نتائج مستهدفة ومعلنة، وتعيين لجان مراقبة على التخطيط والتنفيذ وتحقيق الأهداف، والتحقق من المدة الزمنية المقررة لتحقيق الأهداف، وعدم التهاون في التأخير، وتحفيز التسريع المحكم والناجح.

وهذا الشرط يقضي على المشاريع الوهمية أولا، ويقضي على المشاريع الفاشلة، ويوقف هدر الإمكانيات المالية والبشرية للدولة، ويمنع الفساد ويفضح الفاسدين، ويفتح الباب لاكتشاف منابع العجز والقصور في المشاريع العامة، الداخلية والخارجية.

الشرط الخامس: استيعاب وإشراك كل مواطن في الدولة

هذا الشرط يعني ضرورة وصول نتائج النهضة إلى كل مواطن، وإلى كل بيت، وإلى كل قرية ومدينة ومنطقة داخل البلاد، مع تحقيق نتائج إيجابية على المواطنين كافة في معاشهم ودخولهم وأعمالهم وتحسين مستويات ازدهارهم في الصحة والتعليم فضلا عن سلامة الغذاء والماء ونظافة البيئة، واطمئنانهم إلى

أنهم كمواطنين شركاء مع دولتهم في النهضة وفي المكاسب معا.

وهذا لا يتحقق إلا باتفاق الشعب مع القيادة على أنهم في ركب واحد ومسار واحد ومصير واحد، وإن اختلفت الاجتهادات والرؤى والسياسات، هذا مع الاتفاق على أصول إدارة الخلاف والاستفادة من التعدد والتنوع على أنه إثراء للتجربة، ومستودع من البدائل الفكرية والسياسية وغيرها.

إن النجاح الذي تحقق في التجربة التركية بني على كثير من الرؤى التي تؤمن بالديمقراطية التي توافق الشعب التركي، والتي يطلق عليها حزب العدالة والتنمية بالديمقراطية المحافظة، لأن القيادة لا تفرض ديمقراطية غريبة عن شعبها، ولا مناهضة لقيمه وعاداته وحضارته.

وكذلك ينبغي على الدول العربية أن تدعو إلى ديمقراطية محافظة تحترم إرادة الشعب، وتفعّل فيه قواه الكامنة، وتدفعه للتوافق مع أنظمته الحاكمة. فالمواطن الذي لا يشعر بحقوقه لا يشارك بقناعة، والذي يُحرم من متطلبات عيشه لا يفكر في نهضته.

إن الجدل الذي يثار في الوطن العربي حول الاستفادة من التجربة التركية علامة صحة وتفكير جدي في العالم العربي، لأنه ينظر إلى إخوانه من الأتراك ويفرح لهم ويرغب في معرفة كيف شقّوا طريق النهضة ونجحوا فيها، وبالأخص أن من قام بهذه الخطوة حزب تركي ذو جدور دينية إسلامية وليس حزبا يعلن تبنيه للعلمانية الغربية أو يتنكر لقيمه الإسلامية، وهذا الأمر كان مثار سؤال تاريخي:

لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟

وكان البعض قد أجاب على هذا السؤال، ومنها أحزاب سياسية تركية بأن السبب هو الدين، ومن العرب من قال بأن الدين كان سبب تخلفهم أيضا، فكشفت لهم تجربة حزب العدالة والتنمية التركي الذي يتمسك بقيمه الإسلامية خطأ هذه النظرة أولا، وأنها ليست خاطئة فقط وإنما متجنية على الإسلام، الذي لا يمنع نهضة ولا يعطل تقدما ولا ازدهارا ولا رقيا.

______________

المصدر: دراسة الباحث محمد زاهد غول بعنوان التجربة النهضوية التركية .. كيف قد حزب العدالة والتنمية تركيا إلى التقدم؟

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *