عُرف زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي، بتأسيسه لسياسة التواف وفتح باب الحوار وإمكانية الحكم مع جميع المكونات السياسية والفكرية في بلاده، حتى إنه حاز الجائزة الدولية لمؤسسة جامنلال باجاج الهندية التي تمنح للشخصيات العالمية التي تعمل على تعزيز قيم السلام والتسامح التي بشر بها الماهاتما غاندي.

كما حصل مع الرئيس التونسي الأسبق المنصف المرزوقي على جائزة شاثام هاوس الملكية البريطانية لحرية الفكر والتعبير، وعلى جائزة ابن رشد للفكر الحر في برلين، ومنحته مجموعة الأزمات الدولية جائزة واشنطن للسلام رفقة الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، وذلك لتجنيبهما تونس الصراعات والحروب من خلال اعتماد مبدأ الحوار والتوافق سبيلًا وحيدًا لحل الخلافات.

مع ذلك، يصر الرئيس قيس سعيد على اتهامه بإثارة الفتنة في البلاد والتهديد بحرب أهلية بناءً على تصريح قال فيه الغنوشي لا تصور لتونس دون هذا الطرف أو ذاك، تونس دون نهضة، تونس دون إسلام سياسي، تونس دون يسار، أو أي مكون، هي مشروع لحرب أهلية، هذا إجرام في الحقيقة“.

تصريح اعتُقل على إثره الغنوشي وأُغلقت مقرات النهضة ومنع نشاطها في كامل التراب التونسي، لتتوالى بعد ذلك المواقف المحلية والدولية المنددة بهذا الإجراء في حق زعيم أكبر حزب في تونس ورئيس برلمانها الذي حله سعيد بناء على تفسير شخصي لمواد دستور 2014 (أوقف العمل بهذا الدستور وَصيغ آخر مكانه).

لم تكن هذه المرة الأولى التي يزور فيها الغنوشي مراكز التوقيف في تونس وسجونها، فقد خبرها في عنفوان شبابه زمن الديكتاتور بورقيبة وكهلًا زمن الديكتاتور بن علي، واليوم يعود إليها شيخًا زمن الديكتاتور المنقلب، راسخ القدم على نهجه ثابت على مبادئهكما قالت ابنته سمية.

نستعرض في هذا التقرير لـنون بوستلمحة عن شخصية راشد الغنوشي، ونضاله السياسي والفكري ضد الأنظمة الديكتاتورية في تونس ودعمه الكبير للخط المعتدل والوسطي في بلاده وخارجها، مرورًا بتجربته في الحكم.

البدايات

ينحدر راشد الغنوشي (ولد عام 1941) من مدينة الحامة بمحافظة قابس جنوب تونس، هناك نشأ في أسرة بسيطة تعمل في الزراعة، وشارك الأسرة العمل في الحقل وبيع المحصول بجانب دراسته، إلا أن ضنك العيش الذي كانت تعيشه أسرته تسبب في انقطاعه عن الدراسة لمدة عام.

واصل الغنوشي تعليمه في العاصمة تونس وحصل على شهادة في أصول الدين من جامعة الزيتونة، ليُعين سنة 1963 معلمًا في منطقة القصر بمحافظة قفصة، حيث عمل على جمع المال اللازم لاستكمال دراسته الجامعية.

في أكتوبر/تشرين الأول عام 1964، اتجه الغنوشي لدراسة الزراعة في جامعة القاهرة بمصر، وخلال إقامته هناك أُعجب بالتوجه الناصري وتشبع به، وكان قوميًا ناصريًا، يرى ضرورة توحيد الفكر الناصري مع التيارات القومية الأخرى مثل حزب البعث.

عرف راشد الغنوشي السجن لأول مرة في سن الأربعين

لكن سرعان ما حال الظرف السياسي دون استكمال الغنوشي لدراسته في مصر، إذ شُطب اسم الطلاب التونسيين من القوائم بعد أشهر، وطلبت السفارة التونسية في مصر منهم مغادرة البلاد بسبب تصاعد التوتر السياسي بين النظام الناصري والرئيس التونسي آنذاك الحبيب بورقيبة.

غادر الغنوشي القاهرة وتوجه نحو دمشق، وهناك حصل على شهادة في الفلسفة عام 1968، وفي رحلته إلى سوريا حمل الغنوشي معه الإعجاب بالفكر القومي، لكن بحسب موقع الغنوشي الرسمي، لم يدم هذا الإعجاب سوى عام واحد.

ما إن انتقل الغنوشي إلى جامعة السوربون في باريس لاستكمال دراساته العليا، حتى انتهى إعجابه بالفكر القومي، وبدأ يتشبع بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات، تلك المبادئ التي لم يرها في تونس ولا في أي دولة عربية زارها.

خلال دراسته في السوربون، بدأ الغنوشي نشاطه الإسلامي وسط الطلبة العرب والمسلمين، كما تعرف على جماعة الدعوة والتبليغ، ونشط معها في أوساط العمال المغاربة، لكنه عاد سريعًا إلى تونس، إذ لم يبق في فرنسا كثيرًا.

عاد الغنوشي لتونس، في نهاية الستينيات من القرن الماضي، ليبدأ نشاطه الدعوي وسط الطلاب وتلاميذ المعاهد الثانوية والمساجد، وتعرف هناك على الشيخ عبد الفتاح مورو وصالح كركر وحبيب المكني وأحميدة النيفر، الذين أسسوا فيما بعد الجماعة الإسلامية.

سنة 1972، تأسست ما يعرف بـالجماعة الإسلاميةخلال اجتماع ضم 40 قياديًا بمنطقة مرناق، جنوب تونس، وانتخب الغنوشي رئيسًا لها، وقد نشطت هذه المجموعة بقوة في أوساط المجتمع التونسي، ما مكنها من الانتشار بسرعة.

مع انتشار الجماعة وفكرها التي تحولت فيما بعد إلى حركة الاتجاه الإسلامي بدأ الصدام مع نظام بورقيبة الذي اتهمه الغنوشي بمحاولة تركيز العلمانية في تونس بمحاربته الإسلام، وبدأ الغنوشي في نشر مقالاته المعارضة لنظام الحكم من خلال صحيفة المعرفة التي صدرت عام 1974.

سجون بورقيبة

عرف راشد الغنوشي السجن لأول مرة في سن الأربعين، ففي 18 يوليو/تموز 1981 ألقت السلطات التونسية القبض عليه وعلى 107 من قيادات الحركة ليقدموا في شهر سبتمبر/أيلول من نفس السنة للمحاكمة بتهم: الانتماء إلى جمعية غير مرخص لها والنيل من كرامة رئيس الجمهورية ونشر أنباء كاذبة وتوزيع منشورات معادية.

في الـ4 من سبتمبر/أيلول، صدر أول حكم قضائي ضد الغنوشي بعد مرافعة دامت ساعات طويلة بحضور 78 محاميًا، بالسجن 11 سنة، قضى منها الغنوشي 3 سنوات فقط، ففي أغسطس/آب 1984 أُفرج عنه بعفو عام، بعد وساطة قادها الوزير الأول آنذاك محمد مزالي بين الرئيس الحبيب بورقيبة وقادة النهضة.

جاء اعتقال الغنوشي ورفاقه، رغم أن حكومة محمد مزالي أفتت في مايو/أيار بجواز التعددية الحزبية في تونس، لكن يبدو أن هذا الانفتاح لم يكن سوى كلام لم يُترجم إلى أفعال حقيقية، فنظام بورقيلة كان يخشى كل نفس معارض.

ما إن خرج الغنوشي من السجن، حتى عاد إلى نشاطه السياسي مجددًا وإن كان لم يتوقف عنه في العموم وعاد إلى الاحتجاج ومعارضة السلطة الحاكمة التي أرست دعائم حكم استبدادي وديكتاتوري في بلاده تونس، أسوة بباقي الأنظمة العربية.

سنة 1991، قرر الغنوشي اللجوء إلى بريطانيا واستقر في مدينة أكتون بضواحي العاصمة لندن

قاد الغنوشي معارضي نظام بورقيبة، رغبة منه في إرساء الديمقراطية في بلاده وضمان علوية القانون ودولة المؤسسات، إلا أن السجن كان مصيره مرة أخرى، رغم تخلخل النظاموتراجع قوة الحبيب بورقيبة بسبب المرض.

رغم ترهل نظام بورقيبة، فإنه لم يرض بمعارضة الغنوشي له، فأمر بالقبض عليه مجددًا وهو ما تم في مارس/آذار 1987، وتم تقديمه للمحاكمة أمام محكمة أمن الدولةوفي 27 سبتمبر/أيلول من نفس السنة حُكم عليه بالأعمال الشاقة والسجن المؤبد.

لم يكن هذا الحكم كافيًا للرئيس الحبيب بورقيبة، حيث قدم طلبًا لرفع الحكم إلى عقوبة الإعدام، لكن هذا الحكم لم يتم تنفيذه بسبب انقلاب 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987 من الرئيس الجديد زين العابدين بن علي الذي أمر بإطلاق سراح الغنوشي في 14 مايو/أيار 1988.

كان بورقيبة يخشى قادة حركة الاتجاه الإسلامي على رأسهم الشيخ راشد الغنوشي، لما يحظون به من سمعة عالية وقبولية كبيرة لدى التونسيين، إذ استطاعت النهضة أن تنشر فكرها بين عموم التونسيين في وقت وجيز رغم التضييق الأمني الكبير ضدها.

يُفسر هذا الأمر، التضييق الأمني والملاحقة القضائية المستمرة ضد راشد الغنوشي وزعماء الحركة طيلة أغلب سنوات حكم الحبيب بورقيبة التي امتدت من 25 يوليو/تموز 1957 إلى 7 نوفمبر/تشرين الثاني 1987.

سنوات المنفى

كانت العلاقة بين الغنوشي ونظام بن علي في البداية، جيدة نوعًا ما، إذ تم الإفراج عنه وإسقاط حكم الإعدام ضده، كما أكد النظام حينها عزمه السماح لحزب النهضة بالنشاط العلني، لكن سرعان نكس بن علي بوعده وجدد استهداف الغنوشي وحزبه.

قدم الغنوشي وقادة النهضة في فبراير/شباط 1989 طلب الترخيص القانوني لحركة الاتجاه الإسلامي غيرت الحركة اسمها إلى حركة النهضةللتقيد بقانون الأحزاب الذي يمنع إقامة أحزاب على أساس ديني – لكن الطلب قوبل بالرفض، نتيجة خشية النظام من قوة الحركة التي فازت بعدد كبير من مقاعد البرلمان في انتخابات أبريل/نيسان 1989.

لم ينتظر نظام بن علي كثيرًا، إذ سارع إلى ملاحقة الغنوشي، ما دفع هذا الأخير إلى مغادرة تونس في 11 أبريل/نيسان 1989 إلى الجزائر وبقي هناك عدة أشهر، ثم انتقل إلى ليبيا وبقي فيها شهرًا وبعدها ذهب للسودان حيث حصل على جواز سفر سوداني دبلوماسي ومكث فيه بضعة أيام.

سنة 1991، قرر الغنوشي اللجوء إلى بريطانيا واستقر في مدينة أكتون بضواحي العاصمة لندن، وفي نوفمبر/تشرين الثاني من نفس السنة تم انتخابه رئيسًا للحركة، فيما حصل على اللجوء السياسي في أغسطس/آب 1993.

ما بين مغادرة تونس والوصول إلى بريطانيا، صدر بحق زعيم النهضة حكمان بالسجن مدى الحياة بتهمة الانتماء إلى جمعية غير مرخص لها والتآمر على أمن الدولة، إذ صدر الحكم الأول صيف 1992، فيما صدر الحكم الثاني سنة 1998.

مع ذلك، حاول الغنوشي طوال سنوات المنفى، الاستمرار في نشاطه السياسي، فظل رئيسًا لحركة النهضة، ودأب على حضور المؤتمرات والندوات الدولية عن الإسلام السياسي والإسلام والحداثة والديمقراطية، وكان معارضًا قويًا لنظام بن علي، أقلقه في الداخل والخارج.

بالتزامن مع ملاحقة الغنوشي، شن نظام بن علي حملة شرسة ضد منتسبي حركة النهضة، وقام باعتقال عشرات الآلاف والزج بهم في السجون والمنافي والخدمة العسكرية الإجبارية، كما قتل عددًا منهم وعذب الآلاف ونكل بهم، وحل الاتحاد العام التونسي للطلبة المقرب من الحركة.

وصول الغنوشي لبريطانيا لم يثن نظام بن علي عن ملاحقته والتضييق عليه، وبناءً على علاقات النظام الخارجية تم منع زعيم النهضة من دخول الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وإيطاليا والسعودية وإيران.

أبرز اللاعبين في المشهد السياسي التونسي بعد الثورة

ليلة 30 يناير/كانون الثاني 2011، لم تكن عادية في حياة راشد الغنوشي، ففيها أنهى منفاه الذي دام أكثر من عقدين في بريطانيا، وخلالها رجع إلى وطنه تونس، بعد أن أطاح أبناء شعبه بنظام بن علي الذي جثم على صدورهم أكثر من 23 سنة.

عاد الغنوشي إلى تونس بعد غياب طويل، وكان في استقباله عشرات الآلاف من أبناء وطنه، وحُمل على الأكتاف فرحًا وترحيبًا به، فقد كانت الآمال معلقة عليه لتأسيس نظام ديمقراطي في تونس يقطع مع الماضي الأليم الذي عاشته البلاد طوال حكم بورقيبة وبن علي.

ما إن وصل إلى تونس، حتى بدأ رفقة قيادات النهضة في ترتيب البيت الداخلي للحركة استعدادًا للمحطات الانتخابية القادمة، وتمثيل الشعب في السلطة، إذ تصدرت النهضة بقيادة الغنوشي انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في أكتوبر/تشرين الأول 2011.

منذ عودته إلى البلاد، حمل الغنوشي شعار التوافق ومد يده لجميع المكونات السياسية والفكرية في البلاد للحكم معًا، إلا من رفض ذلك، فكان أن تحالف مع حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي يقوده السياسي البارز المنصف المرزوقي وحزب التكتل بقيادة مصطفى بن جعفر.

رغم أن حركة النهضة حازت أغلبية مقاعد المجلس التأسيسي حينها، فإنها تخلت عن رئاسة الدولة لفائدة المرزوقي ورئاسة المجلس لفائدة بن جعفر، حتى يحصل أكبر قدر من التوافق بين مكونات الحكم ولا يسيطر حزب فقط على الحكم.

أسهم راشد الغنوشي مع حركته في تذليل عقبات المرحلة الانتقالية بعد فوزها في انتخابات المجلس التأسيسي، وكان له دور كبير في نجاح تجربة التوافق الوطني، وفي نجاح التجربة التونسية الاستثنائية، ما جعل البعض يعتبره صمام أمان للتوافق الوطني، الأمر الذي يفسر تنامي شعبيته والتعاطف الذي يحظى به.

ساهم زعيم النهضة بعلاقاته القوية وحواراته المثمرة مع مختلف الأطراف السياسية التونسية في حلحلة العديد من الإشكالات السياسية والفكرية المعقدة التي كادت تربك المرحلة الانتقالية في البلاد، خاصة سنوات 2012 و2013.

ويحسب للغنوشي تأثيره الكبير في حزبه، فوجوده منح النهضة قوةً كبيرةً، وجعل منها حزبًا قويًا متماسكًا متحكمًا في القرار السياسي والحكم في البلاد، فحركة النهضة تعتبر الحزب الأول في البرلمان التونسي قبل أن يحله قيس سعيد وصاحبة أكبر عدد من المستشارين البلديين.

سرعان ما عرفت العلاقة بين رئيس البرلمان ورئيس الدولة فترة من الركود والفتور تحولت في كثير من المناسبات إلى مناكفات وتبادل للاتهامات

ليس هذا فقط، إذ أسهم الغنوشي بمقالاته وكتبه ومحاضراته في دعم الخط المعتدل والوسطي في الحركة الإسلامية داخل تونس وخارجها، وساهم في زعزعة عدد من القناعات التقليدية بشأن قضايا دينية وفكرية وسياسية وتصحيحها كحقوق المواطنة والحريات العامة والديمقراطية والعلمانية وغيرها.

لم يكن نشاط الغنوشي مقتصرًا على الداخل التونسي، فقد كان له نشاط خارجي أيضًا، إذ كثف زياراته الخارجية للتسويق للنموذج الاستثنائي التونسي وإقناع المستثمرين والمسؤولين الأجانب وصناع القرار بأهمية دعم الديمقراطية التونسية، كما كان كثيرًا ما يستقبل كبار الشخصيات من وزراء ونواب برلمانيين لدول أجنبية تزور تونس.

كانت الجزائر أكثر الدول التي زارها الغنوشي لعلاقاته القوية مع قادتها، كما زار أيضًا فرنسا وإيطاليا والصين والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية والهند والعديد من المؤسسات الاقتصادية والمالية المهمة في العالم، وفي كل زيارة يستقبل فيها استقبالًا رسميًا نظرًا لمكانته الكبيرة في تونس وإقليميًا أيضًا.

أول منصب رسمي في الدولة

قلنا إن الغنوشي عاد إلى تونس بداية سنة 2011، ولم يسع لتقلّد أي منصب سياسي رسمي إلا عام 2019، وكان مخيرًا بين الترشح لرئاسة البلاد أو رئاسة البرلمان، فاختار المنصب الثاني وكان له ذلك.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 انتخب البرلمان التونسي الذي أفرزته الانتخابات السابقة لأوانها إثر وفاة الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي – رئيس حزب حركة النهضة راشد الغنوشي رئيسًا له، وذلك في أول جلسة عامة له، أدى خلالها النواب اليمين الدستورية.

لم يكن عمل الغنوشي على رأس البرلمان التونسي سهلًا، إذ لم تستسغ بعض القوى السياسية والمدنية خاصة المحسوبة على قوى الثورة المضادة فكرة وجود الغنوشي على رأس السلطة التشريعية في البلاد، فانطلقوا في عرقلة عمله.

بعد فترة وجيزة من توليه رئاسة المجلس، اتهمته بعض الكتل النيابية بالفشل في تسيير البرلمان والتسبب في احتقان الأجواء بداخله، إلى جانب دخوله في صراع على الصلاحيات مع رئيس الدولة قيس سعيد، ما تسبب في خلق أزمة سياسية بالبلاد.

هذه الاتهامات ذهبت حد المطالبة بسحب الثقة منه وعزله من رئاسة المجلس وذلك في مناسبتين الأولى في يوليو/تموز 2020 والثانية في فبراير/شباط 2021، لكن البرلمان أسقط العريضتين بتصويت أغلبية الكتل النيابية.

وصل الغنوشي لرئاسة البرلمان عبر الصندوق، وجُددت له الثقة عبر الصندوق أيضًا رغم القصف الإعلامي الكبير الموجه ضده وضد الحركة التي يتزعمها، ورغم تعطيل بعض القوى الحزبية أعمال البرلمان قصد إفشال مهمته التشريعية.

انقلاب سعيد

يوم 27 سبتمبر/أيلول 2019، أعلن راشد الغنوشي دعم حركة النهضة للأستاذ المساعد في القانون الدستوري والمرشح المستقل قيس سعيد في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية باعتباره يمثل قيم ومبادئ الثورة، وقد دعمته القوى المنحازة للثورة.

نظمت النهضة العديد من الفعاليات الجماهيرية الكبرى لدعم سعيد أمام المرشح الثاني رجل الأعمال نبيل القروي وخصصت لحملته التفسيرية مكاتبها المحلية والجهوية، ومنحته آلاف المراقبين للمشاركة في مراقبة حسن سير الانتخابات.

كان الغنوشي وحركة النهضة أول المهنئين لسعيد بالفوز في الانتخابات والوصول إلى قصر قرطاج، خاصة أن قيس سعيد أظهر في البداية ولاءه الكبير للثورة وهموم شعب تونس.

لكن سرعان ما عرفت العلاقة بين رئيس البرلمان ورئيس الدولة فترة من الركود والفتور تحولت في كثير من المناسبات إلى مناكفات وتبادل للاتهامات، فتراجعت اللقاءات بينهما رغم أن الظرف ومناصب الطرفين تقتضي توالي اللقاءات بينهما.

كان سعيد يرى المناكفات داخل البرلمان، لكنه لم يحرك ساكنًا واختار بدلًا من ذلك الهجوم على الغنوشي والنهضة في أكثر من مرة، حتى تصدعت العلاقات بين الطرفين ووصلت طريقًا مسدودًا، وذلك ما كان يسعى إليه سعيد وحلفاؤه في الداخل والخارج.

عاد الغنوشي مرة أخرى وهو شيخ في الثمانين من عمره إلى مراكز الإيقاف في تونس، التي خبرها شابًا وكهلًا، كأن قدره أن يزورها في كل ثنايا عمره

ليلة 25 يوليو/تموز 2021، نفذ الرئيس قيس سعيد انقلابه على دستور الدولة ومؤسساتها الشرعية، الأمر الذي رفضه الغنوشي، وسارع إلى التوجه للبرلمان إلا أن القوات العسكرية التي أغلقت البوابة منعته من الدخول، فواصل اعتصامه أمام المجلس، لكن المناوشات التي جدت بين أنصار الرئيس من جهة والرافضين لقراره من جهة أخرى جعلته يغادر الاعتصام.

منذ ذلك التاريخ، بدأ قيس سعيد في ملاحقة راشد الغنوشي، وتم فتح العديد من الملفات القضائية ضده في مشهد مماثل لما حصل في تسعينيات القرن الماضي، وفي الأول من أبريل/نيسان 2022 مثل راشد الغنوشي ولأول مرة أمام الوحدة المركزية لمكافحة الإرهاب على خلفية انعقاد جلسة عامة عن بعد لنواب البرلمان المجمد للنظر في إلغاء الأوامر الرئاسية والمراسيم الصادرة عن الرئيس منذ يوم 25 يوليو/تموز 2021.

منذ ذلك التاريخ، توالت التحقيقات مع الغنوشي للنظر في العديد من التهم التي وجهتها له النيابة العمومية التونسية والمتمثلة في غسيل الأموال في إطار وفاق وباستغلال التسهيلات التي خولتها خصائص الوظيفة والنشاط المهني والاجتماعي والاعتداء المقصود به تبديل هيئة الدولة وحمل السكان على مواجهة بعضهم بعضًا وإثارة الهرج والقتل والسلب بالتراب التونسي وارتكاب أمر موحش ضد رئيس الدولة والاعتداء على أمن الدولة الخارجي وذلك بمحاولة المس من سلامة التراب التونسي“.

لم تثبت أي تهمة ضده، فكانت مجرد تهم ملفقة وفق محامي الغنوشي، مع ذلك واصل النظام ملاحقة رئيس البرلمان، فيما واصل هذا الأخير دعوته للحوار ودعم الديمقراطية وضرورة التصدي للانقلاب الذي يتزعمه سعيد.

ليلة السابع والعشرين من رمضان، اعتقل الغنوشي وقت الإفطار، بطريقة استعراضية وفق تصريح قادة الحركة الأبرز في تونس، وبالتزامن مع اعتقاله، أقدمت فرقة أمنية على مداهمة منزله وتفتيشه وأخلته من كل الموجودين فيه، وذلك بعد أن أحكم سعيد قبضته على القضاء.

اعتقل الرجل الذي غزا الشيب رأسه إثر صدور مذكرة توقيف من النيابة العمومية بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب والاحتفاظ به على ذمة الأبحاث في قضية تتعلق بتصريحات أدلى بها في أثناء حضوره لاجتماع دعت إليه جبهة الخلاص المعارضة وعدتها السلطة التنفيذية ذات طابع تحريضي.

عاد الغنوشي مرة أخرى وهو شيخ في الثمانين من عمره إلى مراكز الإيقاف في تونس، التي خبرها شابًا وكهلًا، كأن قدره أن يزورها في كل ثنايا عمره، حتى تكتب جدرانها قصة رجل آمن بالحرية والديمقراطية وسعى لإرسائها في بلاده وسائر المنطقة المنكوبة بالطغاة.

______________________

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *