صبحي حديدي

في عداد الألغاز القليلة، أو النادرة، التي تكتنف صراع عسكر السودان على السلطة، بعد انهيار عقود المصالح بين الجنرالَين عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو؛ ذلك الذي يتساءل عن الموقع الراهن لمرتزقة «فاغنر» الروسية، وما إذا كانت قد اختارت الاصطفاف إلى جانب هذا أو ذاك، بما ينطوي عليه الانحياز من غمزة مصادقة آتية من الكرملين.

معروفة، على سبيل المثال المقارن، نوعية الأسلحة التي واظب على إرسالها إلى «قوات الدعم السريع» جنرالٌ ثالث ليبي هذه المرّة، الانقلابي خليفة حفتر؛ ليس من باب ردّ الجميل لفضائل سابقة بادر إليها حميدتي وخدمت حملات حفتر، فحسب؛ بل كذلك لأنّ جغرافية الصراعات وراهنها ومستقبلها، وكذلك طبائع تحالفات حميدتي الإقليمية والدولية، تستوجب إغاثة الجنرال السوداني الحليف.

معروفة، أيضاً، أنواع الأسلحة (صربية الصنع، بصفة خاصة) التي قدّمتها أبو ظبي إلى حميدتي وكشفت النقاب عنها أجهزة البرهان خلال قتال الأيام الأخيرة فقط؛ بعد أن سكتت عنها دهراً، مثلما تواطأت على تمويه شحناتها المتعاقبة.

وبصرف النظر عن مقادير الاختلال في التقاسم الإماراتي – السعودي بصدد تدجين الجنرالَين حميدتي والبرهان، فإنّ محمد بن زايد ذهب بعيداً في المراهنة على «قوات الدعم السريع»؛ وقد ينحصر عزاؤه اليوم في ما يردده حميدتي من مزاعم ركيكة حول قيادة البرهان لـ«عصابة إسلامية متشددة».

يبقى لغز «فاغنر» قائماً، حتى إشعار قريب أغلب الظنّ، اتكاءً على قاعدة ذهبية قديمة تقول بأنّ ولاء المرتزقة ينتهي دائماً عند حامل دفتر الشيكات؛ وبالتالي فإنّ يفغيني بريغوجين، طبّاخ بوتين السابق ومؤسس وقائد ميليشيات «فاغنر»، قد ينتظر سكوت المدافع، أو اتضاح موازين النصر أو الهزيمة لأيّ من الجنرالَين، قبل الانخراط في صفوف هذا أو ذاك، جهاراً نهاراً هذه المرّة.

ذلك لأنّ معادلات بريغوجين في السودان تتجاوز الارتزاق المعتاد وتحصيل غنائم الحرب، إلى خريطة «بزنس» واسعة النطاق من حيث الاستثمارات، تشمل بصفة خاصة مناجم الذهب التي تتولى ميليشيات حميدتي بسط السيطرة عليها وحمايتها، ثمّ تهريب المنتجات خارج السودان؛ فصلاً عن مكامن اليورانيوم والمنغنيز والسيليكون وسواها.

ومنذ عام 2017 حصلت شركة M Invest  وفرعها  Meroe Gold، وكلاهما ملكية بريغوجين، على حقوق التنقيب عن الذهب في السودان، وذلك بالتعاون مع شركة «أسوار» السودانية (الخاضعة للمخابرات العسكرية السودانية، حسب تقارير متقاطعة).

غير أنّ وضعية الانتظار لم تمنع بريغوجين (وخلفه مافيات روسيا، وإذن سيّد الكرملين) من تزويد «قوات الدعم السريع» بصواريخ أرض – جو حاسمة لكسر تفوّق جوّي يتمتع به جيش البرهان؛ كما لم تحرمه، قبل اندلاع القتال، من تقديم خدمات مباشرة إلى أجهزة البرهان، بينها التشويش الإلكتروني على مواقع القوى الوطنية المدنية في السودان وخارجه.

وكان موقع «مشروع الإبلاغ عن الفساد والجريمة المنظمة»، بالتعاون مع صحيفة «لوموند» الفرنسية، قد نشر سلسلة من الوثائق المسرّبة التي تتضمن مراسلات ومذكرات وعقوداً واتفاقيات؛ كشفت ملايين الدولارات التي سددتها شركة بريغوجين لأجهزة الجيش السوداني، في عهد عمر حسن البشير وبعد الإطاحة به أيضاً.

وفي إطار احتفاظ جنرالات السودان ببعض العناصر الكبرى التي كانت ناظمة خلال عقود دكتاتورية البشير (على رأسها ميليشيات «الدعم السريع» ذاتها، إلى جانب مختلف تعاقدات الفساد والاستثمار والتنقيب عن الثروات)؛ تعيّن أن يكون الإبقاء على التعاون مع «فاغنر» قاسماً مشتركاً بين البرهان وحميدتي.

وعلى منوال الشراكات السابقة التي نقضتها صراعات الجنرالين، لن يطول الوقت حتى ينجلي الغموض عن لغز «فاغنر»، وبالتالي لن يتأخر بريغوجين في اختيار الصفّ الذي يلائم مصالحه، لدى المنتصر بالطبع؛ إلا إذا أسفر عجيج الحرب عن مصالحة بين الجنرالَين، على حساب دماء المئات من أبناء السودان، وإعمال الدمار والخراب، والإجهاز على ما تبقى من خرافة «أخوّة السلاح» في صفوف العسكرتاريا.

_____________________

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *