أحمد خليفة

كان قادة ومقاتلو مجلس شورى ثوار بنغازي يدركون أن حفتر سيدمر مدينة بنغازي وسينسف مبانيها التاريخية، ولذلك وافقوا في يناير 2017 على مبادرة لإيقاف الحرب في المدينة وتجنيبها توسع رقعة دمارها ونسف مبانيها، أما حفتر فاختار مواصلة المواجهة المسلحة ورفض المبادرة التي قدمها وسيطان، أحدهما مدني (ليبي أمريكي)، والآخر أمني من المنطقة الغربية.

تنص بنود مبادرة على إنهاء الحرب في بنغازي، بإيقاف حفتر هجومه على منطقتي قنفودة وسوق الحوت وتسليمهما له مقابل خروج جميع المقاتلين والعائلات من المنطقتين وخصوصا من قنفودة بشكل آمن وبضمانات دولية عبر البر أو البحر إلى المنطقة الغربية وعلى أن يترك مقاتلو وقادة شورى بنغازي كافة أسلحتهم خلال الانسحاب مع ضمان سلامتهم التامة.

وافق قادة ومقاتلو شورى بنغازي على المبادرة وأبلغوا الوسيطين أن قبولهم إياها لم يكن عن خوف منهم أو تراجع، بل إنهم مستعدون لمواصلة القتال والمواجهة المسلحة حتى النصر أو الاستشهاد، لكنهم يريدون تجنيب مدينة بنغازي مزيدا من دمار أجزاء واسعة منها وخصوصا مناطق وأحياء بنغازي القديمة وهي سوق الحوت والصابري واخريبيش.

كان القائد العسكري لمجلس شورى ثوار بنغازي وسام بن حميد قد استشهد حينها رحمه الله، وكان القيادي في شورى بنغازي جلال مخزوم رحمه الله مصابا إصابة حرجة أدخلته في غيبوبة لا يفيق منها إلا مرات قليلة ثم يغيب عن الوعي.

وافق حفتر في البداية على المبادرة وطلب من الوسيطين تعهدا من قادة ومقاتلي شورى بنغازي بعدم انضمامهم بعد انسحابهم إلى سرايا الدفاع عن بنغازي إذا عادت لمهاجمته من جديد، وفي الوقت نفسه طلب حفتر مهلة مدتها 3 أيام للتفكير والرد، وخلال أيام هذه المهلة عقد حفتر لقاء مع عبد الرزاق الناظوري والمدني الفاخري لمناقشة المبادرة.

ووفق الوسيطين، كان الناظوري والمدني الفاخري متحمسين للمبادرة وإيقاف الحرب، لكن حفتر غيّر رأيه ورفضها بتعنت طالبا من الوسيطين أن يبلغ قادة ومقاتلي شورى بنغازي أن يسلموا أنفسهم بالكامل، أو سيقتلهم ولن يسمح لهم بالخروج من بنغازي، ثم أبلغ الوسيطين لاحقا أنه موافق على المبادرة بشرط واحد وهو خروج جميع المقاتلين بشكل كامل من ليبيا وليس فقط من بنغازي.

رفض حفتر المبادرة رغم أنه سمح منذ أيام فقط قبلها بانسحاب مجرمي تنظيم الدولة من بنغازي في رتل واحد بأسلحتهم وعتادهم دون إطلاق رصاصة واحدة عليهم، كان ذلك فجر 5 يناير 2017، وكان هذا الانسحاب باتفاق مع مسلحي مليشياته وقادتهم وعلى رأسهم المجرم المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية والقتيل محمود الورفلي.

انهارت المبادرة وكان لا بد من مواصلة المواجهة المسلحة، حسم حفتر معركة قنفودة لصالحه بدعم من الطيران الإقليمي الداعم له، اُستشهِدَ خلالها قادة ومقاتلون من شورى بنغازي ونجح بعضهم الآخر في الانسحاب من قنفودة والوصول إلى مناطق سوق الحوت والصابري وسيدي اخريبيش.

وخلال الأيام التي تلت ذلك اشتد القصف الجوي والمدفعي بشراسة على هذه المناطق، كان قصفا عشوائيا وممنهجا، لإحداث الدمار في أكبر رقعة وليس لاستهداف تجمعات مقاتلي شورى بنغازي، فقبل المبادرة التي عُرِضَت على حفتر لإيقاف الحرب كان مستوى الدمار في “وسط لبلاد” لا يصل إلى 10% من الدمار الذي تعرضت له لاحقا، كما أن شراسة القصف وكثافته وتواصله لا تتناسب مع أعداد المقاتلين التي كانت تتناقص كل يوم، كان عددهم بالعشرات فقط، كما أن القصف لم يستهدف خطوط التماس وكان مُرَكّزا على وسط المدينة والواجهة البحرية لبنغازي خصوصا (المناطق التي تُهْدَمُ حاليا).

كانت الطائرات الحربية الداعمة لحفتر من دول إقليمية تأتي بشكل جماعي وصل في مرات عدة إلى قيام سرب من 5 طائرات حربية بتنفيذ غارات جوية في وقت واحد، كانت الطائرات ترمي صواريخها وبراميلها المتفجرة عشوائيا وبشكل مبالغ فيه وجنوني لم يكن يستهدف مواقع عسكرية أو مخازن سلاح أو مواقع يتمركز فيها مقاتلو شورى بنغازي، كان القصف على طريقة الأرض المحروقة لإحداث دمار شامل، وهذا ما حدث بالفعل ومهد للهدم الشامل لمباني مركز المدينة الذي يشاهده أهالي بنغازي حاليا.

على الهامش:

1/ بعد عرض المبادرة على حفتر تحمس لها عبد الرزاق الناظوري ومحمود الورفلي واتصلا بأحد الوسيطين للسؤال عن جديتها، وكانا يتساءلان عن مدى الاستفادة من هذه المبادرة فأًبْلِغا أن انسحاب قادة ومقاتلي شورى بنغازي سيمنحهما السيطرة على الأرض بسهولة، وتحقيق نصر دون إراقة الدماء ووقوع خسائر بشرية ومادية، (لم تكن الكندرة العسكرية في رأسيهما تستوعب المبادرة).

2/ عدد من سكان وسط البلاد في بنغازي (سوق الحوت والعقيب وشارع جمال وشارع مصراتة وفياتورينو) أكدوا لمقاتلين من شورى بنغازي خلال تواصلات معهم أن أهالي بنغازي يدركون أن تدمير وسط المدينة كان عشوائيا وعن سبق إصرار وترصد و لديهم قناعة بعدم امتلاك مقاتلي شورى بنغازي لقوة تدميرية تكفي لنسف عمارة مكونة من 7 طوابق.

_________________

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *