كتب من المغرب لتدريس الأمازيغ في ليبيا دعما لثقافة عريقة.

عانى الأمازيغ في شمال أفريقيا من قمع مستمر وحصار خانق لثقافتهم ولغتهم، فكانت على الهامش دائما بل وممنوعة في أحيان كثيرة بحجة الوحدة الوطنية وفق توجهات قومية عربية تلغي السكان الأصليين للمنطقة.

وقاوم الأمازيغ بقوة للحفاظ على ثقافتهم ولغتهم إلى أن افتكوا حقهم في الاعتراف بها رسميا. وفي ليبيا نفس الشيء ولو أنه لم يقع بعد الاعتراف الرسمي بها.

في فصل دراسي في مدينة زوارة الليبية الساحلية يتردد تلميذ قبل أن يكتب، بتشجيع من معلمته، بضعة أحرف بالأمازيغية على السبورة. في مشهد لم يكن من الممكن تصوره قبل اثني عشر عاما.

خلال عهد الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي (الذي حكم ليبيا لأكثر من 42 عاما) كان الأمازيغ مضطهدين ولغتهم محظورة.

حق طبيعي

تقول المعلمة أسيرم الشواشي التي ارتدت ثوبا طويلا أسود مع حجاب رمادي فاتح اللون، في زوارة الواقعة على مسافة 120 كيلومترا غرب العاصمة الليبية “يحب الأطفال هذه المادة لأنهم يجدون هويتهم وثقافتهم مكتوبة في الكتب”.

وتضيف الشواشي التي تدرس اللغة الأمازيغية، بابتسامة، بينما يمر تلاميذ آخرون من الصف الخامس الابتدائي أمام السبورة “لا يتعلق الأمر بالحروف الأبجدية والكلمات فقط، بل الدرس عبارة عن مجموعة ثقافية، أحاول تمرير الروح الأمازيغية الشاملة للتلاميذ”.

في زوارة القريبة من الحدود التونسية يرفرف العلم الأمازيغي في أماكن عدة، ويجاهر أفراد هذه الأقلية بلغتهم، كما حصل في مناطق أخرى عديدة في ليبيا منذ مقتل القذافي بعد الانتفاضة الشعبية العارمة ضده.

وخلال أربعة عقود من حكمه، كان الأمازيغ يتكلمون لغتهم في المنزل أو في الشارع، ولكن بشكل سرّي، ودائما بعيدا عن آذان الشرطة أو المؤسسات الحكومية أو الإعلام.

وبالنسبة إلى القذافي، كانت ليبيا عربية حصرا. ومع ذلك، فإن ما يقرب من 10 في المئة من الليبيين هم من الأمازيغ الذين يعتبرون من السكان الأصليين، كما هي الحال في عدد من دول شمال أفريقيا. وكان الأمازيغ موجودين في المنطقة حتى قبل وقت طويل من الحملات اليونانية والرومانية، ثم العربية في القرن السابع.

وفي بلد مقسم إلى معسكرين متنافسين على السلطة، تحرص الحكومة المعترف بها من الأمم المتحدة على إرضاء المجتمع الأمازيغي، بتوفير كتب مدرسية بلغتهم الأصلية، دون جعلها لغة رسمية بعد.

وترى أسيرم الشواشي التي نالت السنة الماضية أول إجازة جامعية من قسم اللغة الأمازيغية في كلية الآداب في زوارة المستحدث قبل نحو ثمانية أعوام، بأن تعلم الأمازيغية “حق طبيعي”.

وتضيف المدرّسة التي استقدمت كتبا للغة الأمازيغية من المغرب “المولودون في زمن الثورة، لا يعرفون كلهم أن اللغة كانت ممنوعة. بالنسبة إليهم، الأمازيغية حق طبيعي، مستحيل أن يأتي شخص ويقول لهم إنها ممنوعة”.

وتعبّر عن سرورها “بالتقدم الهائل الذي أحرز بالفعل في غضون عشر سنوات فقط”. وتتابع “نحن أنفسنا مندهشون”.

الأمر لا يتعلق بالحروف الأبجدية والكلمات فقط

وفي زوارة، نُظمت الدورات الأولى لتعليم الأمازيغية في عام 2012، مع “بدايات صعبة”، بسبب نقص المعلمين المدربين وعدم اليقين حول البرنامج الدراسي، وفق ما تقول مديرة المدرسة سندس ساكي.

وتقول ساكي “كانت لدينا تساؤلات: ماذا سنفعل؟ نتكلم اللغة في المنزل، صحيح، لكن دراسة الحروف والكتابة، هذا جديد علينا”.

وكان ملحا إقناع أولياء التلامذة الذين عبّروا عن قلقهم من العبء الزائد الذي يمكن أن يرتبه تعلم الأمازيغية على أطفالهم، لاسيما أن اللغتين العربية والإنجليزية من أولويات الدراسة.

وتقول ساكي التي زينت مكتبها بالعلمين الليبي والأمازيغي، “كانوا يعتبرون أن ثلاث لغات كثيرة جدا على التلاميذ، لكن هؤلاء جاؤوا بأدمغة متفتحة على التعلم”.

وبعد انتهاء الدروس، تتوجه الشواشي إلى الأستوديو الصغير في إذاعة “كاساس أف أم”، أول محطة إذاعية محلية باللغة الأمازيغية تبث منذ العام 2012 من زوارة. وتم أخيرا إطلاق محطة وطنية ناطقة باللغة الأمازيغية من العاصمة طرابلس.

وتناقش أسيرم الشواشي التي تطوعت لتقديم برنامج إذاعي في “كاساس أف أم”، مع مدير البرامج إسماعيل أبوديب، الحلقات التالية من برنامجها المخصص للأدب الأمازيغي.

ويرى إسماعيل أبوديب بدوره أن سكان زوارة من الأمازيغ، ومن حقهم التحدث بلغتهم الأم. ويوضح أبو ديب المتخصص في الهندسة المدنية، مرتديا نظارته الطبية، “المحتوى الناطق بالأمازيغية يلبّي تطلعات مواطنينا، كونها اللغة الأقرب إليهم، ومن حقهم التحدث بها عبر وسائل الإعلام”.

ويتابع “واجبنا أن نحترم لغتنا ونعتز بهويتنا، العالم كله يعيش في بيئات متنوعة ومختلفة ومنسجمة، ونحن كليبيين، من حقنا العيش في هذا الانسجام”.

___________

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *