فضيل الأمين

في مراحل الضعف أو الهزيمة يفقد الكثيرون البوصلة القيمية والاخلاقية التي تحكم المنظور الوطني، فتظهر أطروحات انهزامية تستصغر التاريخ الوطني والماضي وتحتقره، وهي تنبطح لعوامل الحاضر المؤلم وكأنه هو القدر المقدور.

ويظهر التملّق والنّفاق لقوى الوضع الراهن المحلية والإقليمية والدولية ذات سلطة المال أو السلاح أو النفوذ.

نسمع من يستصغر المقاومة الوطنية الليبية الشرسة الجهادضد المستعمر المحتل والتي لم تخبو شعلتها طوال أكثر من 20 عاما. نقرأ لمن يمجّد الاستعمار تحت مسمّى تمجيد الإعمار“.

نسمع لمن يهوّن من الجهاد والنضال السياسي لأجدادنا بعد تحرير ليبيا من الفاشيست بقيادة الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية.

وبسذاجة أو خبث يشير إلى ليبيا بأنها ليست سوى منتوج للأمم المتحدة وكأنها وإن كان لها دور معيّن في السابق لابد أن ترتهن لها على مدى التاريخ ماضياً وحاضراً مستقبلاً.

ويكرروا ببلاهة أن ليبيا لم يكن لها تاريخ إلا ما صنعه الفاشيست أو أسسته الجمعية العمومية للأمم المتحدة بصوت من دولة هايتي.

إجتزاء الأحداث التاريخية وخاصة المفصلية في تاريخ أي دولة أو مجتمع والانتقائية الفجّة المصلحية أو الغبيّة أمر مُضرّ وخطير.

التاريخ هو عبارة عن سيرورة متسلسلة للأحداث والأفعال والأعمال والنضالات ولم يكن يوما نُتفاّ من الأحداث والوقائع المتقطعة.

الأمم والشعوب التي، جهلاً أو غباءً، تحاول العبور إلى المستقبل عبر التنصّل من ماضيها المجيد والمريع لن تعبر نحو أي مستقبل مهما حاولت.

فالبناء لا يبدأ في الفضاء أو الفراغ دون أسس وقواعد وأساسيات.

فالمجتمعات والشعوب والدول هي في حقيقة أمرها محصّلة تجاربها التاريخية التي تشكل العقل الجمعي والثقافة وتحدد علاقاتها مع مكوناتها ومع المحيط القريب والمحيط الأوسع.

لابد أن نتعلّم تاريخنا جيداً ونفتخر به وننتقد أخطاءه ونتعلّم منه ونستلهمه فهو جزء من تركيبنا الجيني.

فالارتقاء الجيني له جذوره في البيئة والثقافة والقيم.

فالجينات، بعوامل البيئة والمحيط، ترتقي كما ترتقي القيم الأخلاقية متأثرة بمدى ما تضرب جذورها في عمق التاريخ وعبقه وعبق الجغرافيا.

العالم يُبنى على التراكم وليس التقطّع والإنقطاع.

الذين يستهزؤون بجهاد أجدادنا ومقاومتهم لاستعمار فاشيستي همجي بنى معتقلات الإبادة،

والذين يستصغرون نضال الأجداد من أجل بناء دولة،

والذين يريدون التنصّل من المحطات السياسية الوطنية خلال الثمانين عاماً الماضية بإيجابياتها وسلبياتها،

هؤلاء يجب أن يستلهموا ذلك من أجل صناعة مستقبل أفضل ومشرق يجمع الأفضل من ذلك التاريخ ويتعلّم من دروسه.

صناعة الحروب مع أحداث التاريخ التي مرت والدخول في تطاحن مع الذات والسقوط أمام تحديات الحاضر والمستقبل هو أسوأ ما يمكن أن ترثه أجيالناإذا كان ثمة ما سيبقى لوراثته.

_____________

من تغريدات الكاتب على التويتر

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *