محمد بالروين

الثورة هي عملية تغيير جذري وجوهري وشامل في طريقة حكم بلد ما لاستبدال سياساته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بما هو أعدل وأفيد، والسعي لبناء نظام حكم جديد أساسه كرامة الإنسان وحق الاختيار وحكم القانون.

والثورة هنا لا تعني “الحرب”، لأن الحروب تحدث بين الأعداء، والشعوب عندما تثور لا تعتبر خصومها أعداء، وإنما مجرد سياسيين ظالمين وفاسدين وفاشلين في إدارة الدولة، مما أُجبر الشعب للإطاحة بهم وإصلاح ما تم إفساده وبناء مؤسسات أكثر عدلا وحريةً وتقدماً.

عناصر نجاح الثورات

لكي تنجح أي ثورة لابد أن تمر بمرحلتين متكاملتين – المرحلة الأولى وهي مرحلة الهدم، أي إسقاط نظام الحكم، والمرحلة الثانية هي مرحلة إعادة بناء نظام بديل له، وبذلك تكتمل الثورة وتحقق أهدافها التي قامت من أجلها.

والحقيقة أن كل دارس لتاريخ الثورات الناجحة، يلاحظ أن هناك عناصر مهمة وضرورية ساهمت في إنجاحها لعل من أهمها: القيادة الموحدة، والطليعة الفاعلة، والبرامج الواضحة.

أولا: القيادة

الثورات الناجحة قادها أُناس وجماعات يغمرها الأمل والحلم بمجتمع أفضل. وعليه فإن وجود القيادة الثورية الموحدة ضرورة لتوجيه الجماهير وإدارة الثوار نحو الهدف المنشود. فعلى سبيل المثال كان جورج واشنطن، هو الأب المؤسس للولايات المتحدة، وقائد الجيش القاري لتحقيق الاستقلال (1775–1783).

وكان لينين قائد الثورة البلشيفية عام 1917، وكان ماوتسي تونق زعيم الثورة الصينية عام 1949، وكانت جبهة التحرير الوطنية الجزائرية رمزا للقيادة الجماعية وقائدة حرب التحرير ضد الفرنسيين (1954 – 1962)، وكان أية الله الخميني قائداً للثورة الإيرانية عام 1979، وكان نيلسون مانديلا رمزاً لثورة جنوب أفريقيا (1989 – 1997. كل هؤلاء (وغيرهم) كانوا من أهم الأسباب الرئيسية لإنجاح هذه الثورات.

ثانياً: الطليعة

بالإضافة إلى وجود قيادة موحدة من أجل إنجاح أي ثورة، لابد من وجود ثوار حقيقيون مؤمنين بأهدافها وشعاراتها. فالثوري هو شخص ميداني ومشارك في صناعة الثورة. بمعنى الثوار هم كوادر (أي صنًّاع) الثورة، ومنفذو أوامر وتعليمات القيادة الموحدة، وهم ما يمكن أن نطلق عليه بالطليعة الثورية الفاعلة.

والمقصود بالطليعة هنا هي مجموعة منظمة ومدربة تعمل في مقدمة الجماهير لحماية الثورة وتحقيق أهدافها وخلق الدعم الشعبي الذي تحتاجه، بمعنى آخر، هي الحارس الميداني والمتقدم للثورة والأول في ميدان المعركة لتحقيق أهدافها.

ثالثاً: البرامج

لكي تنجح أي ثورة – بالإضافة إلى وجود قيادة موحدة وطليعة ثورية فاعلة – لابد من تحديد أهدافها والاتفاق عليها مع كل القوي الثورية الفاعلة، وإلا فلن تكتمل حتى لو نجحت في مرحلتها الأولى – أي مرحلة الهدم، لأنها ستفشل في مرحلتها الثانية – أي مرحلة إعادة البناء، وذلك لأن الذين صنعوها لم يتفقوا سلفاً على أهدافها النهائية.

فعلى سبيل المثال، نجحت الثورات الاشتراكية في روسيا عام 1917، وفي الصين عام 1949، لأن قياداتها اتفقوا على أن فكرة الثورة الاجتماعية ضرورية لإحداث تغييرات هيكلية في المجتمع، واتفقت القيادات في الثورة الإيرانية بقيادة أية الله الخميني عام 1979 على فكرة تأسيس جمهورية إسلامية تحت قيادة ولاية الفقيه، واتفق ثوار جنوب أفريقيا بقيادة نيلسون مانديلا على فكرة تحقيق المصالحة الوطنية وإنهاء حقبة التمييز العنصري في الدولة وتأسيس نظام جمهوري عادل يشارك في حكمه الجميع.

ثورة غير مكتملة

مما ذكرت أعلاه يمكن استخلاص أن ثورة 17 فبراير2011 هي ثورة غير مكتملة، بمعنى ثورة لم تُحقق أهدافها النهائية المرغوبة، وبمعنى آخر، ثورة ناقصة وتفتقر إلى عناصر مهمة وضرورية لنجاحها واكتمالها.

وهنا قد يسأل سائل فيقوللماذا فشلت الثورة في تحقيق أهدافها؟

الحقيقة أن من أهم الأسباب الرئيسية التي أدت إلى عدم اكتمالها وعجزها على تحقيق أهدافها هو:

(1) غياب قيادة (فردية أو جماعية) موحدة

(2) غياب برامج وطنية واضحة لإعادة بناء الدولة وإعمار الوطن و

(3) غياب طليعة ثورية فاعلة وموحدة لتنفيذ برامج وطنية متفق عليها والاستعداد للتضحية من أجلها.

تصحيح المسار

لعلني لا أبالغ إذا قلت إن جل العقلاء الليبيين يجمعون على أن ثورة 17 فبراير 2011 قد نجحت في مرحلتها الأولى – أي مرحلة إسقاط نظام الحكم، ولكنها فشلت في مرحلتها الثانية – أي مرحلة إعادة بناء الدولة وتحقيق السلام والأمن والأمان للمواطن، وكنتيجة لهذا الفشل سيطرت مجموعات من الانتهازيين على مفاصل الدولة، والأسوأ من ذلك أنهم غير ديمقراطيين، وغير مؤهلين، ولا يقرؤون، وإذا قرؤوا لا يفهمون، ونتيجة لتصرفاتهم انهارت مؤسسات الدولة وأصبح المواطنون يعيشون ضنك العيش ودوامة العبث الديمقراطي الذي لا نهاية له في الأفق.

وفي اعتقادي المتواضع، لن تخرج ليبيا من هذا النفق المظلم إلا إذا سعت النخب الوطنية، بكل توجهاتها وانتماءتها، للاتفاق على “برنامج الحد الأدنى” لتصحيح مسار الثورة بالطرق البسيطة والسلمية والحضارية، والعمل على إعادة بناء الدولة وإنقاذ الوطن في أسرع وقت ممكن.

وعلى النخب أن تعي بأن ما يحتاجه الشعب اليوم هو صياغة عقد اجتماعي جديد ينظم حياته ويُحقق له حق الاختيار والعيش الكريم، وحكم القانون والتداول السلمي على السلطة، بمعنى آخر، صياغة عقد اجتماعي يقضي على الفساد والمفسدين، ويحقق الأمن والأمان والعيش الكريم، وبذلك يتخلص الشعب من الذين سرقوا ثورته، وانقضوا عليها، وغيروا مسارها، وعبثوا بثرواته ومقدساته.

ولكي يمكن تصحيح مسار الثورة، وإعادة هيكلة المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية في الدولة، لابد من جبر الضرر والاعتراف بالأخطاء التي حدثت في السنوات الماضية والعمل على إصلاحها وذلك بالقيام بــ:

(1) إيجاد قيادة وطنية موحدة.

(2) الاتفاق علي برامج الحد الأدنى – على أن تكون بسيطة وواضحة ومحددة. و

(3) إعادة تشكيل طلائع وطنية إدارية وعسكرية وأمنية – بشرط أن تكون كفؤة وقادرة ومستعدة، وأن يكون ولائها لله ثم للوطن.

وإذا لم يتعاون الخيُّرون لتحقيق هذه العناصر الضرورية الثلاث لإصلاح مسار الثورة، فحتماً ستستمر الفوضى والعبثية والفساد والظلم، ويتحول مصطلح “دولة ليبيا” إلى مجرد شعار لا معنى سيادي له، يستخدمه المفلسون والانتهازيون والقوى الدولية لشرعنة وجودهم ونفوذهم، وتتحول “الأرض الليبية” إلى ساحات للصراع، ومناطق للنفوذ، ومراكز للقوى – بعضها جهوي، وبعضها عرقي، وبعضها قبلي، وبعضها الآخر عائلي ، ويكون الخاسر الوحيد في هذا الصراع اللاخلاقي والقذر، هو المواطن البسيط والمحروم والمظلوم في هذه الساحات والمناطق والمراكز.

فهل آن الأوان أن تعي النخب الوطنية هذا الخطر، وتسعى إلى “لمّ الشمل” والإسراع في الاتفاق على “برنامج الحد الأدنى” لإنقاذ ما تبقى من الوطن الذي أسسه الآباء والأجداد وضحوا من أجله بكل غالي ونفيس.

وهل آن الأوان أن تعي هذه النخب بأنه لا خيار أمامها إلا اللجوء للحوار بين كل الفرقاء وتغليب مصلحة الوطن والاحتكام للشعب، وأن يكون شعارهم: “ليبيا أولاً”.

وفي النهاية، يبقى السؤال:

هل في إمكان هذه النخب القيام بذلك في أسرع وقت ممكن وقبل فوات الأوان؟!

أدعو الله أن يتحقق ذلك!.

_____________

المصدر: صفحة الكاتب على الفيسبوك

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *