أسامة الرياني

حين اتفقت مع صحيفة (ليبيا أوبزرفر) على نشر مقالاتي عندهم، كنت عازما على ألا أكتب في السياسة البتة، وأنا الذي أردد دائما قولة محمد عبدة الشهيرة: (لعن الله ساس ويسوس وسائس …). لكن مقالاتي اتصلت ـ دون وعي ـ بالسياسة بشكل ما.

نبهني هذا إلى فكرة أن السياسة تحيط بنا إحاطة الانتهازيين بالساسة، فلا مجال للفكاك منها.

 أذكر في عام 2019 أيام كنت نازحا من بيتي الواقع في خط النيران، بمنطقة عين زارة، لاحظت ظاهرة غريبة، تتمثل في أن كل من لقيته من أهلي ومعارفي وأصحابي يتعاطفون معي جدا، ويُبدون كثيرا من الحزن ـ الذي لا أشك في صدقه ـ على وضعي، والحال الذي وصلتُ إليه، لا سيما بعد انتشار خبر إحراق بيتي من (الجيش اللي جاي يبي يحررنا من المليشيات).

كل هذا التعاطف وهذه المشاعر النبيلة تتلاشى بمجرد أن تتحدث عن أسباب الحرب، أو عن المجرمين الذين أحرقوا البيت، وعن المليشيات المجرمة التي عاثت فسادا في الشرق والغرب، تجد مُحدثي فجأة يدير دفّة الحديث، ليسأل عن مباراة (الإنتر)، أو عن (فلان اللي انزاد عليه عيّل وبيسميه رئبال) ليسأل عن معنى الاسم، ويتهرب من الحديث عن الرءابيلالمرابطين في الجبهات.

تجد هذه الظاهرة كثيرا في الطوابير التي تزخر بها بلادنا، إذ تجدهم في طابور المصرف مثلا يتشاكون من شح السيولة، ومن تعب الوقوف ساعات طويلة لسحب مبلغ زهيد، ويزمجر بعضهم غضبا وهو يتحدث عن حقه المُحتجز في خزائن البنوك.

بغباء أتحدث ـ في هذا الطابور ـ عن أسباب المشكلة في نظري، إغلاق النفط، وطباعة عملة بشكل غير قانوني في روسيا، والحروب المتكررة، وغيرها.
يتحولون فجأة للحديث عن مباراة الأهلي والاتحاد، والموازنة بين مهارات فوزي العيساوي وطارق التايب، وهم مستعدون لمناقشة حتى موازنة الآمدي، لكن لا يتحدثون في السياسة.

الناس تتكلم في تبعات السياسة ولا تتكلم في السياسة، وهذا الانفصال بين السبب والمسبب غريب جدا، فـ (الجهة غير مُنفكة) كما يردد صديقي الأصولي. حقيقة لا أفهم معنى عبارته جيدا، لكن إقحامها في هذا المقال يعطي انطباعا بأني مثقف واسع الاطلاع.

أظن أن تحاشي الحديث في السياسة ظاهرة تستحق الدراسة، ونحتاج أن نفهم دوافعها، التي لعل أهمها الخوف من التصنيف. وهذا يبدو واضحا بين المشاهير، فأصدقائي الشعراء والكتاب الذين حققوا قدرا من الشهرة، يتحاشون إظهار انتماءاتهم السياسية خوفا من فقدان بعض معجبيهم.

لعل جذور هذه الظاهرة تمتد إلى مستنقعات (عصر الجماهير) حيث كانت الجماهير التي تتحدث في سياسة لا تعجب السلطة تُعلق على المشانق، وتُرمى في حاويات القمامة. الأمر الذي لم يختلف كثيرا اليوم، ففي مناطق سيطرة (حفتر) لو طرحت رأيا سياسيا مخالفا للسائد فمن المرجح قتلك ورميك في القمامة.

وثمة مقطع شهير على يوتيوب لشيخ يقول على قناة فضائية تابعة لحفتر: (لا بأس من قتل حفظة القرآن ولكن لا ترموهم في القمامة). هل تتخيلون أين وصل بنا الحال؟!

السياسة يا صديقي لعنة تطاردك حيثما حللت، ولا فكاك منها للأسف.

السياسة القذرة للقذافي هي التي أودت بخيرة شباب ليبيا ـ غير المهتمين بالسياسة ـ في حرب عبثية ضد الجارة تشاد، وفي أوغندا.

السياسة القذرة للقذافي نغصّت حياة مئات الأطفال الليبيين وعائلاتهم وأصحابهم، حين حُقنوا بالأيدز. ولم يكن هؤلاء الأطفال مهتمون بالسياسة طبعا.
سلوا ضحايا الزحف الأخضر، الذين لم يكونوا سياسيين، حين جُن جنون القذافي وصادر أموال الناس وأملاكهم.

سلوا ضحايا مباراة الرصاص عام 1996، سلوا أقارب المُعارضين وأهلهم، أولئك الذين لم يكن لهم أي علاقة بالسياسة، وأنا في هذا السياق لا أبرر اعتقال المعارضين، ولا تعذيبهم وشنقهم في الميدان على طريقة القذافي، ولكنني أقول إن الجرم أبشع حين يكون المقتول والمعتقل متجنبا للسياسة، ولكنها لا تتجنبه للأسف.

الأمر ـ للأسف أيضا ـ لم يتغير، فالسياسة ـ شئنا أم أبينا ـ جزء من حياتنا، تدس أنفها في اليومي والاعتيادي، وفي كل تفاصيل بؤسنا.
يدهشني الشاعر العبقري أحمد مطر، لا سيما حين كتب:

(وضعوا فوق فمي كلب حراسة ..
وبنوا للكبرياء في دمي سوق نخاسة ..
وعلى صحوة عقلي أمروا التخدير أن يسكب كأسة ..
ثم لما صحت: “قد أغرقني فيض النجاسة ” ..
قيل لي : ” لا تتدخل في السياسة !”)

وعلى سيرة الشعر والسياسة، فلا أتصور اجتماع اللفظين دون أن تخطر في ذهن القارئ الكريم صورة الشاعر العبقري الفذ (مظفر النواب) الذي غادر الحياة قبل ساعات من كتابة هذا المقال.

رحم الله مظفرا، ورحم الله كل ضحايا السياسة والاستبداد في بلادنا.

_____________

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *