يتبادل المحللون السياسيون في الشأن الليبي والأزمة التي تعيشها ليبيا أدواراً متناقضة، من حيث وصولهم إلى النتيجة النهائية، في شكل يضع أغلبيتهم في حالة تحزب تحيّر القارئ العادي بين تأييد ومعارضة، وكأن (العلوم السياسية) نفسها تعيش حالة (فصام)، فلا تروي عطش العقل الباحث عن إجابات للتساؤلات العديدة التي يطرحها العقل العربي، الذي يعرف جيداً أن الشأن الليبي يعنيه مباشرة، بسبب الارتدادات المحتملة على حياة المواطن الليبي والعربي، بخاصة في الدول التي تجاور ليبيا.

ولابد في تحليل الواقع اليوم من وضع كافة المقدمات والحقائق أمام القارئ، قبل الحديث عن تفاعل هذه المقدمات و صراعها على مسرح الأزمة… ففي الشأن الليبي اليوم هناك عنصران رئيسيان: الداخلي والخارجي، ولابد من تحديد التداخل بينهما.

 العنصر الداخلي أولاً، و يتضمن النظام السياسي كجزء من الدولة وهو ليس الدولة كلها، فالدولة هي الشعب والأرض والحكم والسيادة، والنظام هو الحكم وممارسة السيادة، ويتضمن أيضاً هذا العنصر مجموعتين شعبيتين إحداهما مع الحكم والأخرى ضده، إضافة إلى الجانب العسكري، وفيه جيش منقسم، إذ منذ سقوط نظام القذافي، اخترقت مجاميع مسلحة غير منضبطة المؤسسة العسكرية، وإعادة هيكلة القوات الأمنية وبناء جيش وطني موحد، يتطلب عمليا تفكيك الميليشيات في غرب البلاد وقوات الجنرال حفتر في الشرق، ولا يرجح أن تنجز هذه المهمة قريبا.

أما الحالة السياسية للمعارضين، فهي متعددة وغير موحدة. كما يمكن تمييز المعارضة كتيارات تفكير، فهي تتضمن الإسلاميين بأطيافهم، ومنهم الثأريون ذوو الثارات القديمة مع الدولة، وتتضمن راغبين في دولة مدنية، وهم في الغالب من المثقفين المؤمنين بالديموقراطية والليبرالية.

وتضم أيضاً أفراداً تم تهميشهم وإفقارهم خلال الأعوام الماضية، بسبب سياسات اللبرلة، وليس لديهم أي توجه سياسي أو برنامج إلا أنهم وجدوا أنفسهم في حالة احتجاج في الشارع ضد المعاناة التي جلبتها السياسات الاقتصادية التي نفذتها الحكومات خلال السنوات الأخيرة.

 العنصر الخارجي ثانياً، و يتضمن الكتلة الأولى الراغبة في نظام مدجّن ينفذ ولا يعترض، ولا يوجد أي مشكلة لديها حينما ترهن خيرات البلاد للولايات المتحدة وأوروبا وتركيا…، والطرف الثاني هو كتلة دولية سمحت لها الأزمة الليبية بالظهور بقوة كمنافس للغرب وأمريكا، وهي روسيا والصين.

فهذان القطبان بارزان في الأزمة الليبية بقوة، بخاصة أن الأحداث التي حصلت في ليبيا، جعلت روسيا والصين يدركان طبيعة الأحداث، ويعرفان أن الغرب ماض في محاولة اقتسام معطيات التغيير في العالم العربي لوحده دون أي شريك، كأسلوب لمحاولة تخطي أزماته الاقتصادية بمزيد من السيطرة، وعليه فإن قرار روسيا والصين الجلي هو التحدي في ليبيا كان ومازال هذا التحدي قائماً، ويخطئ من يراهن على توقفه إلا في حال اتفاق ليبي ـ ليبي يرعاه الجميع على مبدأ “لا غالب ولا مغلوب”.

 إذاً هذه هي عناصر الأزمة الرئيسية، وهي متداخلة بالطبع فيما بينها، ولكن تداخلها لا يلغي التمايز الذي ذكرناه، ويؤشر بالأصل إلى وجود أحادية التحليل الذي نشهده أحياناً والذي يتناول جانباً من هذه المعطيات، متجنباً المعطيات الأخرى، وهنا لابد من ذكر ظاهرة خطرة لا نراها مكوناً أزموياً بقدر ما هي أسلوب من أساليب تجلي الأزمة، وقد تحول إلى عنصر فيها – من أسف – وهو العنصر القبلي، ولا نضعه عنصراً دائماً كبقية العناصر، لأننا نرى فيه حالة تكبر وتصغر، بحسب تطور الأحداث.

فالقبلية تتناسب عكساً مع قوة الدولة، إذ كلما قويت الدولة خف العامل القبلي والعكس صحيح، لأنه في ظل ضعف أو غياب الدولة، يلجأ الناس بشكل عفوي إلى الجماعات (الحمائية) الأولى، مهما كانت متخلفة بسبب البحث عن الأمن الأسري والشخصي.  

والسؤال الذي يطرح بقوة: إلى أين تتجه الأزمة في ليبيا؟

هذا السؤال هو الأهم الذي يشغل الجميع، ولأن كل طرف يقول أنا المنتصر، فهذا يعني أن الأزمة متجهة نحو السير مدة طويلة كأزمة، وفي الأحوال كلها مازال الحدث الليبي يقدم دروساً ثلاثة:

أولها يتصل بمشروعية الموقف وإرادة المواجهة وخزان التضحيات، وهذا درس الدروس كلها ليس لواقع الصراع الراهن، فحسب وإنما لما هو مقبل من مخاطر وتحديات على إيقاع الزمن المستقبلي.

وثانيها أن للباطل جولة ثم يزول، وللحق جولات ما تلبث أن تفرض انتصارها طال الزمن أم قصر، والباطل لن يكتسبها بالحق مهما ضخت إليه من مبررات وأسباب، ومهما غلّف بأستار التمويه والمباغتة واختطاف ألوان السلام والعدل والمشروعية، إن في التاريخ معياراً لا يخطىء لأنه مزيج إشعاعات العقل على الواقع واندفاعات الواقع في تصانيف العقل، وقد يحدث أن تنطلي الحيل والظروف على البعض لبعض الوقت ذلك أن عالم اليوم متداخل حتى النخاع والأعصاب، وماحصل من ثورة في الاتصالات وانفجار في تكنولوجيا نقل المعلومات كل ذلك أدى وظيفة (التمثيل)، ولكن الحقيقة عبر قيم الوعي والواقعية ما زالت قادرة على عزل الزيف عن الحقيقي، وطرد عناصر التضليل بالتدريج وإنارة المنعطفات الضيقة والمظلمة في نهاية الأمر.

والدرس الثالث هو الناتج الصعب والمتبلور بآن واحد والذي يدل على أن القوى الكبرى ومشاريعها الأكبر لن تستطيع أن تخترق مساحة العقل والعدل والوعي في نهاية الأمر.‏

وما عادت المسألة عبر الدرس الليبي الراهن تتعلق بمعادلة القوي والضعيف، أو الكبير المستحكم والصغير القابض على أصله وحقه، كمن هو قابض على الجمر.

المسألة في الدرس الليبي قلبت الموازين المعتادة تماماً، فالمؤمن على ضعفه المادي والكمي يتملكه هذا الشعورالذي لا ينضب بأنه أمسك بقدره حينما أمسك بموجبات صموده، وللحق منابعه التي لا تنضب، وللإيمان عطاياه التي تجسر هذه الهوة ما بين كمال الحق وقلة ما في اليد من أسلحة، وعندها ينقلب السحر على الساحر، فأمريكا الدولة الكبرى تمارس سياسات صغرى وعائلات المال الحرام بالمليارات تفقد كل رصيدها أمام الوعي وخزان البطولات، هذا درس ليبي بامتياز، فقد اجتمعت منذ أكثر من عشر سنوات دول وميليشيات… لكي تدمر وتختطف الوطن الليبي ولكنها صارت محاصرة محصورة، فالشعب الليبي لم يركع ولم يخضع في غالبيته، ولكنها ندفع وتدافع حتى صارت ليبيا موقعاً سياسياً له خبرة نضالية.

إن السياسة في المحصلة ليست كلام وقائع ولكنها بالنموذج الليبي لغة الصمود، ومرجعية الشعوب حينما تتوحد تماماً مع قضاياها وتلتزم تماماً بصياغة واقعها ومستقبلها معاً، ولهذا السبب فإن الداخل الليبي بآلامه وآثامه معاً هو الذي يحرك الواقع الإقليمي والدولي، ونحن نتابع التلازم العضوي بين الداخل والتحولات في الأفق الخارجي في معادلة عكسية تماماً، وهكذا فنحن باستمرار محتاجون ومدفوعون للانطلاق من الأزمة بكل ما فيها ولإطلاق وعي الأزمة على كل ما فيها، ذاك أنها مركبة بمعنى أن الأهداف المرصودة منها كبيرة وخطيرة، وأن القوى المنخرطة فيها كبيرة وخطيرة أيضاً وأن الأساليب والوسائل الموضوعة تحت تصرف الإرهاب كبيرة وخطيرة أيضاً، وذلك يعني بالضرورة أن نعيد بناء الذات الليبية في أصول مواجهة واسعة وعميقة، كالذي يحدث وأن يسترد الشعب الليبي بدون اضطراب عوامل ومصادرالأزمة من منابعها ومصادرها، لأن الوقوف عند بوابات الأزمة بطريقة وصفها أو رفضها لايكفي رغم أهميته.

فالمشهد الواقعي يمتد من القواعد العسكرية التركية بليبيا إلى أوامر ومصالح أمريكا، حيث تنتهز واشنطن الأزمة الليبية كفرصة كي تُظهر لحلفائها الغربيين عزمها، في عهد بايدن، على استعادة الموقع القيادي العالمي للولايات المتحدة، والوقوف ضد مشاريع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ليبيا، ومن ثم في أفريقيا.

والثابت اليوم، أن الدول والمستثمرين تتسابق لنيل قطعة من كعكة إعادة إعمار ليبيا، وفي مقدمتها العواصم الغربية التي تدرك أن كسب حصة الأسد من الكعكة الليبية لن يكون سهل المنال، في ظل التنافس الشرس مع الروس والأتراك والصينيين ودول عربية في مقدمتها دول الخليج، وخصوصا مصر التي تطمح في إستعادة مكانتها في السوق الليبية التي كانت تستقبل قبل أحداث 2011، مليوني مصري، كما أن دول الجوار المغاربي بدورها تسارع الخطى لكسب ود طرابلس.

إنّ الأجندات بهذا المعنى أكبر مما نتصور، وهذا يسهّل علينا الرؤية المناسبة للإحاطة بالصراع القائم، ولبناء موقف متطور وحيوي في الداخل الليبي يعادل أبعاد هذا الصراع، وأول ما يكون ذلك في أن نرتقي إلى مستوى عقل الأزمة وسلوك الأزمة ومسؤولية الأزمة.‏

والمقدمة المضمونة لذلك، هي أن يعيد الشعب الحر الليبي حساباته الفردية والجماعية وأن ينفض عن جذوره الوهم والوهن، وأن يتحرك كأفراد وجماعات منظمة أو غير منظمة، على أساس آخر يستبقي من الماضي نسق القيم والمناقب الليبية المتوارثة والمتواترة تاريخياً، لكن في إطار ما يعني إعادة التكوين للفرد والمجتمع والوصول بدءاً من جوف الصراع إلى الهدف المشترك، وهوأن الليبيين معنيين جميعاً بإعادة النظر في ذاتهم وفي واقعهم، بما يؤكد الوصول إلى إنتاج نظام سياسي جديد أساسه الوطنية والتشاركية والتعددية، وهنا نلحظ أن عملية الاقتحام للإرهاب لابد من أن تتلازم مع عملية الاقتحام للذات وللواقع الموروث. 

فلا يجوز أن يتخلف عن هذه الكرامة البند الخاص بالذات السياسية والاجتماعية والفكرية، والمسألة واحدة موحدة، فالمقاتل الصامد هو المؤمن، والملتزم والمثقف والرسالة واحدة، عندها إذ من خلال مساحة الوطن الجغرافية والبشرية سوف نكون قصة جديدة على العالم إطارها العام أن القوى الاستعمارية بكل ثقلها وقوتها العسكرية والعلمية، وبكل خبرتها العاتية في نهب العالم والسيطرة على الشعوب لا تستطيع أن تدمر إرادة وطن مثل ليبيا، وهكذا سيكون الدرس الأبلغ في المعركة الراهنة، هو أن الشعب الليبي الحي يستمر حياً، وبالمحصلة فإن أمم الأرض كلها سوف تستفيق على هذا الدرس، وهذه العبرة وسوف تكتسب دوافع جديدة للصحوة على الذات ولمقاومة الموجات الاستعمارية. 

خلاصة الكلام:

ما أحوج الشعب الليبي اليوم، أن يفكر بطريقة العبقري الإيطالي “ليوناردو دافينشي”، الذي اعتاد أن يفكر بالجسر كلما فكر بالهاوية، ولعل مثل هذا التفكير هو الذي ينبغي أن يتسلح به الشعب الليبي الحر والأبي، لمد الجسور مع الآخرين المختلفين عنه ليتجنب السقوط في الهاوية، فمستقبل أجيال ليبيا، يستحق من الجميع الجلوس على طاولة الحوار، والتخلي عن الخسائر التكتيكية كأفراد وكقوى سياسية، من أجل إستراتيجية ولادة ليبيا الجديدة المتحررة من أعباء الفساد والقبلية والاستبداد لتكون نموذجاً يحتذى به، وإلا فإن الطبقة المتصارعة ستمنح الآخرين فرصة تحديد مسارات ليبيا وتوجيه خطوات الشعب الليبي نحو موت معلن في وضح النهار.

***

مصطفى قطبي  ـ كاتب صحفي من المغرب

_______________