عبد المجيد بيوك

هجرة البشر ـ أفراد وجماعات ـ من منطقة إلى أخرى هي حالة قديمة وجزء من الطبيعة البشرية، ولكنها أصبحت في العصر الحديث حالة استنزاف للعقول من البلدان الأقل تطورا إلى البلدان الأكثر تطورا ونعني بذلك فقد الكثير من الشعوب لـ رأسمالها بشريمن الكفاءات والقدرات البشرية ذات التكوين المعرفي والمهارات العالية مثل الأطباء والمهندسين والإداريين والباحثين في الجامعات والمؤسسات العلمية الأخرى.

الحالة الراهنة لنزيف العقول الليبية تعود إلى تبني استراتيجية إقصاء مزدوجي الجنسية لأسباب سياسية تحركها عقد نفسية وأحقاد تستهدف المعارضين للنظام السابق وغيرهم من مزدوجي الجنسية. هذه الاستراتيجية التي تتبناها الثورة المضادةو الدولة العميقةستكون عائقا كبيرا أمام تطور المجتمع الليبي في مرحلة إعادة بناء الدولة الديمقراطية.

وإذا نظرنا للمسألة من زاوية الربح والخسارة، فإن الخاسر الأكبر من هذه الاستراتيجية هو الشعب الليبي، وهي خسارة كبيرة في هذه المرحلة الحرجة وتتلخص في التالي:

أولا: هذه كوادر وكفاءات من مختلف التخصصات تقدر بعشرات الألاف تم تعليمهم وابتعاثهم إلى الخارج لسنوات طويلة على حساب الدولة، وغيرهم ممن تكفل أهاليهم بمصاريف دراستهم، كل ذلك كان بتكلفة عالية جدا دفعها المجتمع الليبي، ولكنهم واجهوا قبل الثورة صعوبات أمنية مصدرها أجهزة قمع تابعة للنظام السابق، وهم الآن يواجهون الإقصاء من بقايا ذلك النظام.

ثانيا: إقصاء هؤلاء المؤهلين وحرمانهم من المساهمة في قيادة التغيير والتطوير في ليبيا، يعني بالضرورة استبدالهم بغيرهم من الخبرات الأجنبية، وذلك أمر في غاية الصعوبة وسيكلف المجتمع الليبي مبالغ مضاعفة قد لا تقدر عليها ميزانيات الحكومات القادمة.

ثالثا: هذه الكوادر المؤهلة تقيم وتعمل منذ سنوات في عدد من دول الغرب وقد استطاع الكثير منهم التميز والبروز في مجالات تخصصهم، وهذه الدول أصبحت منافسة للدولة الليبية في الحرص على الاستفادة من خبراتهم وبالتالي فإن إقصاءهم من ليبيا لأسباب واهية هي خدمة كبيرة يقدمها الإقصائيون إلى تلك الدول .

رابعا: أن محاولة دسترة أقصاء مزدوجي الجنسية على مستوى المواقع السياسية والتشريعية والتنفيذية والإدارية ستعمم في المستقبل على جميع المواقع الأكاديمية والبحثية والتعليمية وغيرها وبالتالي لن تتمكن الدولة من وضع حد لظاهرة نزيف العقول الليبية بل ستدخل البلاد في دائرة مفرغة ومكلفة من الإستنزاف البشري والمادي غير المسبوق.

إن استراتيجية إقصاء الليبيين من مزدوجي الجنسية ستعمق من مشكلة ليبيا لكونها اشتهرت بأنها بلدا طاردا للعقول بامتياز، لأنها تزيد من حدة أسباب الطرد الأخرى والتي تنطبق على مزدوجي الجنسية وعلى غيرهم من الليبيين، مما سيدفع بالكثير من المؤهلين من أصحاب الجنسية الواحدة إلى البحث عن فرص عمل في دول وأخرى إن لم يتم التخلص من الأسباب الطاردة للعقول وهي كثيرة وتنطبق أيضا على الخبرات الأجنبية أيضا، ومنها:

ـ عدم الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي

ـ إفتقاد الحوافز والضمانات المالية والقانونية

ـ غياب الظروف المناسبة للعمل الفكري والأكاديمي

ـ افتقاد سبل التدريب الراقي والبحث العلمي.

 ـ فقدان التقدير والتشجيع من قبل المجتمع والدولة

أما عند الولوج في مرحلة إعادة الإعمار، فبعض المتصدرين للمشهد السياسي سيدافعون عن سياساتهم في إقصاء مزدوجي الجنسية بقولهم  أن الحل يكمن في استقطاب الشركات الأجنبية من الدول الكبرى لتتولى تلك المهمة بالكامل ولسنا في حاجة إلى مزدوجي الجنسية للمساهمة فيها، وتلك من الأوهام التي اشتهرت بها بعض النخب المتصدرة للمشهد التي تساهم في خدمة أجندة إقصاء المؤهلين من مزدوجي الجنسية لأسباب خاصة بها، ومنها عدم كفاءة تلك النخب وتخوفها من منافسة المؤهلين من مزدوجي الجنسية، وأيضا أدراكهم أن وصولهم إلى مواقع قيادية تم عبر المحاصصة وتزوير الشهادات ودفع الرشى، وهذه العناصر ستسعى حثيثا لإقصاء مزدوجي الجنسية دفاعا عن مصالحها الخاصة ولا مكان  عندها للمصلحة الوطنية.

أولائك، إن نجحوا في إقصاء المؤهلين من مزدوجي الجنسية، سيدركون وسيدرك الشعب الليبي أن إعادة بناء الدولة وتطوير المجتمع يتطلب أكثر من مجرد التعاقد والإرتشاء من مئات الشركات الأجنبية بل يحتاج إلى تأهيل كوادر وطنية كثيرة لإدارة مرحلة الإعمار وما بعدها والمحافظة على مكتسباتها وتطويرها، ولا أعتقد أن ليبيا مؤهلة حاليا أو في المستقبل القريب لتأهيل كوادر وطنية على مستوى عالي دون ابتعاث أعداد كبيرة من الخريجين لاستكمال دراستهم العليا في الدول الغربية مثل كندا وبريطانيا وايرلندا وأمريكا وألمانيا وبلدان أخرى.

وعند ذلك تكتمل الدائرة المفرغة حيث أن العقول المتميزة من أولائك المبتعثين سيتم استقطابهم للإقامة والتجنس والعمل في الجامعات ومراكز الأبحاث وفي الشركات الخاصة في تخصصات يصعب توفرها في ليبيا في المستقبل المنظور، وبالتالي سيتحولون هم أيضا إلى مزدوجي الجنسية .

ولذلك، ليس أمام ليبيا إلا خيار الرفع من قدرتها التنافسية لاستقطاب أبنائها العاملين في الدول الغربية وبالتالي عليها أن تتحول من دولة طاردة إلى دولة جاذبة للعقول، مما يتطلب أولا وأخيرا التخلص من استراتيجية إقصاء الكفاءات والخبرات الوطنية من مزدوجي الجنسية إلى جانب ضرورة توفير عوامل الجذب الأخرى الموجودة في البلدان المنافسة لهم والتي تستقطب وتحتضن أبناءها العاملين فيها

ولنا عودة للموضوع

___________

مقالات مشابهة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *